لحظة شعر بالفراغ، وكثيرا ما كان هو وإياها يشعران بالوحشة في حضرة هؤلاء الناس الطيبين فينسحبان إلى حيث ينفردان!.
وافتقدها ليلة فقام يبحث عنها في حجرات الدار. ودخل حجرة النوم ... وكانت مفاجأة.
مفاجأة لن يتهيأ لها من قبل أبدًا.
كانت الليلة مقمرة، وللحجرة نافذة يطل منها القمر، فيضيئها ذلك الضوء القمري الشفيف. وكانت واقفة دون أن توقد المصباح اكتفاء بهذا الضوء الفضي الشفيف. كانت واقفة بجوار السرير تبدل فستانها وحينما دخل الحجرة كانت قد خلعت ولم تلبس ... ووقع نظره للمرة الأولى عليها بالملابس الداخلية ... وكانت لحظة رهيبة!.
كانت تربيته الأولى في بيئة محافظة متطهرة، وكان قد انصرف في حياته إلى نوع من الجد لا يسمح له بالعبث، وكان الشعر والفن قد صانا خياله من التلوث ... وكان هذا كله يبعده عن المرأة، ويصيبه بلون من الربكة والاضطراب حين يلقاها وجها لوجه أيا كانت طبقتها وسنها.
فلما وُوْجه بالفتاة التي يحبها، شبه عارية، كان ذلك مضاعفًا لخجله وارتباكه. ولكن عينه تقع على منظر فاتن في ضوء القمر الشفيف، ولليل المقمر وجوه، وللوحدة المغرية جوها. إنما هو في الوقت ذاته يشعر لهذه الفتاة بلون من القداسة، وهو كذلك غير مستعجل ولا متسرع، فهي له، وستصير كلها إليه.
.كل هذه النوازع المتشابكة في لحظة واحدة جعلته يقف برهة مسمرًا. ألف جاذب يجذبه إلى الإقدام، وألف دافع يدفعه إلى الإحجام. وبوغتت هي فارتبكت كذلك، وبدلا من أن تلبس الفستان الثاني، انكفأت على نفسها، وطأطأت رأسها، وحنته على صدرها، فكانت في وضعها الجديد أشبه بتمثال فاتن في وضعه الفني الجميل!
وأخيرًا غلبه ماضيه كله فتراجع، وهو يتمتم: لا مؤاخذة ... !