فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 80

بات يسمع أنفاسها في الحجرة المجاورة، فلم يكن بينهما سوى حائط رقيق فيه باب مفتوح، وكان يسمع تنهداتها في جوف الليل، ويكاد يسمع وقع دموعها في سكون الظلام!

وكان يراها قريبة منه جدًا، بعيدة عنه جدا. كان يراها ملء يديه، ثم ينظر فإذا يداه منها فارغتان!

وأوقد المصباح في جوف الليل، وراح يكتب شعرًا:

بيني وبينك خطوة:::: لكن عوالمنا بعيد

ويداي فارغتان من:::: كنز به غنيَ الوجود

ثم تغالبه دموع قاهرة، فيطفيء النور وينكفيء في سريره يغالب الدمع ما استطاع.

وفي الصباح كانت غائرة العينين، صفراء غبراء، كأنما انسلت من مقبرة. وكان مسترخي الجسم مهدودا .. مكدود الأعصاب.

قالت:

= كيف قضيت ليلتك؟

قال:

= كما قضيت ليلتك!

قالت:

= يرحمنا الله!

ثم اتجهت إلى مرافق البيت، وبعد قليل جاءت تدعوه. قالت:

= لقد سخنت لك ماء لتغسل وجهك ورأسك، فإنك لمجهد، والجو شتاء، وللماء الدافيء قيمته في مثل هذه الأحوال ... اقترب أصب لك الماء!

ولكنها لم تدعه يغسل وجهه ورأسه. لقد دبت فيها حيويتها الكامنة من خلال الذبول، فراحت تدعك له عينيه بالصابون، وتدس أصابعها في شعره تخلله، وإنها لتقول في دعابة ساحرة:

= لتكن انت ابني اليوم، كما كنت بنتك بالأمس يا أبتاه!

فشل في لإقناع أهلها بالرأي الذي ارتآه، وهو يستروح في هذا الفشل ريح الانتصار، وفشل في إقناعهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت