تسامح ورحابة. وكان مظهرها في اللحظات الأخيرة يشبه أن تكون متهللة بالموقف الأخير، فكان كل أولئك مدعاة لأن يغادر الحجرة إلى حيث ينتظره الجميع.
ومع أنه ترفق في كشف الموقف، وتجنب مواضعه المحرجة، وجاء للموضوع من جانبه البريء: جانب خطبة الفتى الضابط للفتاة، ثم تحمس في الدفاع عن موقف شاب وشابة يتحابان ....
إلا أن المفاجأة كانت أشد مما تحتمله أعصاب الجميع.
ثارت العاصفة، وانقلب البيت على الفتاة وانتبذت هي من وجوههم مكانا قصيًا.
أحس الوالد أنه طعن في شرفه وكرامته، وأحست الأم أنها تواجه الفضيحة، وتخسر رابطة وشيكة. وران على الأطفال ذعر صامت وهم يرون ولا يعلمون! ولم يبق إلا هو، يدافع عنها في حرارة، وينفي ما علق بذهنهم عنها من انحراف!
ثم خيم على المنزل صمت كصمت القبور، وانزوى كل في ركن لا ينبس بحديث.
وتقدم الليل، وهم بالرواح كالمعتاد، فأمسكت به وجلة، وتوسلت إليه أن يبقى حتى الصباح. قالت: لمن تتركني هنا؟ إنني منبوذة غريبة كما ترى، وليس لي أحد سواك. لا هنا .. ولا في الدنيا كلها .... قل: إنك لن تتركني ولن تروح!
ولم يكن في حاجة لكل هذا التوكيد. لقد كان هو أشوق منها إلى تمضية كل دقيقة بجانبها. كان في نفسه مشاعر غريبة: شعور العطف والإشفاق، وشعور اللهفة والحرمان، وشعور الغيرة والغليان، وشعور التسامي والإيثار، وما لا يحصى من هذه الأحاسيس مجتمعات.
وكان كل من في البيت مستريحا لأن يقضي ليلته هناك. كان هو الصلة الوحيدة بين نفوسهم جميعًا، بعدما قطعت الصدمة كل ما بينهم من الصلات.