فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 80

فارقتها ابتسامتها، وخذلها تماسكها، وغامت على وجهها سحابة من الأسى، وقالت في صوتٍ غائر كأنما ينبعثُ من أعماق هاوية:

= أعلم أنك تحبني فوق مقدور الإنسان، وهذا ما يعذب ضميري.

ثم سكتت سكته رهيبة فتناول يدها في صمت، وهو يحس هول العاصفة تجتاح نفسها فتحطمها وتوشك أن تجتاح حياتهما جميعًا، وحدّق بشدة في عينيها ونظر إليها مستزيدًا!

قالت:

= اغفر لي أن أقول لك كل شيء. إنني أثق بك ثقة عميقة، وأشعر بمقدار حبك لي، ولو فتشت في قلبي لوجدت لك مثل هذا الشعور فيه. ولكن هنالك في ضميري أشواكًا سأضع عليها يدك، وأترك لك التصرف فيها كما تريد ...

قال:

= قولي كل شيء ولا تخافي!

قالت:

= لقد عزمت أن أقول

.... في نهاية قصتها كانت تقول، وهي تهتز وتختلج: (( وهذه الدمعة التي رأيتها لم يكن منها بد. كنتُ أشيّع بها عهدًا عزيزًا. كان اللحن الموسيقي من حولي هو لحن الجنازة، أشيع به نعشه للمرة الأخيرة والآن لقد انتهى ) )!

وحينما بلغت القصة إلى هذا الحد كان قد اعتزم في نفسه أمرًا، لا يدري كيف اعتزمه، ولا بأي شعور اتجه إليه. كان الفارق بينه وبين فتاته عشر سنوات، ولكنه أحس في هذه اللحظات القصار أنه يشيخ. وكان يحبها حبا عنيفًا مجنونا، ولكنه أحس في هذه اللحظات القصار أنه يحبها حبا سماويا شفيفًا. وكان شديد الغيرة متوفز الإحساس. ولكنه أحس في هذه اللحظات القصار أنه فوق العواطف البشرية، وفوق غرائز الإنسان.

قال في صوت خفيض رتيب رهيب:

= يا بنيتي. إنني أعطف عليكما، فاعتمدي علي وسأساعدكما!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت