فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 80

وفي هذه اللحظة تصل إلى سمعه من حجرة الجلوس نغمة البيانو. إنها تعزف، إنه لحنه المحبوب، لحنه المسحور.

لقد سمع هذا اللحن من قبل، وسمعه كثيرا، سمعه من تلك الفتاة نفسها، سمعها تعزفه فاستعاده واستعاده، وظل يستعيده في نشوة عجيبة، حتى قالت له في دعابة ساحرة: لن أعيده مرة أخرى إلا لقاء أجر معلوم!

لم يكن يعرف اسم اللحن ولا عنوانه، ولم تكن تعرفه هي كذلك. كان أستاذ البيانو قد حفظها إياه، دون أن يذكر لها عنوانه. فما قيمة الاسم والعنوان؟

إن هذا اللحن المجهول كان يستجيش ضمائره ويحرك خواطره ويثير في حسه النشوة والحلم واللهفة والانسياب. كان يصور نفسه في تلك الفترة التي لم يكن يعيش فيها على الأرض، ولم يكن يحس إلا أن الحياة حلم ظافر سعيد.

لقد كان يحب. يحب هذه الفتاة التي تعزف ذلك اللحن وإنها لتعزفه بيدها وقلبها، وبأعصابها وملامحها. كانت هي اللحن ذاته في صورة مجسمة. ولم تكن قد برزت من بعد تلك الأشواك ..

ثم ها هي ذي تعزفه مرة أخرى ....

وإنه ليسري إلى نفسه رويدا رويدا، وينسكب في أعصابه رفيقا رفيقا، وإن نفسه لتهدأ وتطمئن، وإن أعصابه لتسكن وتستريح، وإنه ليثمل، ثم ينتشي، ثم يرف في جو شاعري شفيف، وإنه لينتفض بعد لحظة خفيفًا نشيطا، وإنه لينفلت إلى حجرة الجلوس ملهوفا مشتاقا، حتى إذا اقترب استرق السمع والنظر، فإذا هي، هي حلمه الجميل، هي حوريته الهاربة، هي.، ولا شيء سوى الماضي العزيز، والثقة العميقة، والحب المفتون ... هي .. وإنه ليطوقها من الخلف في لهفة، فتبدو كأنما ذعرت للمفاجأة. المفاجأة التي كانت تنتظرها ولا شك بغريزتها العبقرية، غريزتها الفطنة التي توحي إليها في هذه اللحظات بالذات بالعمل المفرد الوحيد، الذي يجدي في مثل هذا الأوان.

هي. وقد وجدها. ووجد نفسه، ووجد فيها ما يقال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت