ونحن اليوم بحاجة إلى أن نمسك بالأفكار الجديدة من منابعها ، ونتابع ما آلت إليه تطبيقاتها في واقعها ، لكي نتمكن من رؤية حقيقية لأضرارها ومنافعها ، فإذا قال العلمانيون: اللسانيات أو الهرمينوطيقا أو الإنتربولوجيا أو غير ذلك ، فلا بد من وضع هذه الدعوات في عين الاعتبار، والبحث عن أًصولها ، وقراءة أعلامها ، وسنكتشف دائمًا أن الحق لا يُعدم من أنصار، وأن الباطل دائمًا ينهار ، لأن الحق دائمًا أبلج ، والباطل دائمًا لجلج . وهذه هي وصيتي الأولى .
أما الوصية الثانية: فهي أنني أرى أن البحوث الأكاديمية الفلسفية في أقسام الدراسات الإسلامية تولي اهتمامًا لدراسة التراث أكثر من اهتمامها بدراسة الواقع المعاصر ، وقد ترتب على ذلك أن تُركت الساحة للخطاب العلماني يسد الثغرة ، ويملأ الفراغ ، وكان لذلك انعكاسات خطيرة على الفكر والعلم والواقع ، وخصوصًا في استقطاب أعداد كبيرة من أنصاف المثقفين الذين تغريهم المناهج بسبب عدم استنادهم على قاعدة أصولية متينة . ولا يعني ذلك أنني أدعو إلى التقصير في دراسة التراث ، وإنما أدعو القائمين على توجيه الدراسات الأكاديمية إلى إقامة توازن بين الواقع والماضي ، ونسج وشائج تواصل بين دراسة التراث والواقع المعاصر بما فيه من أطروحات جديدة ، ومناهج حديثة . إن أكثر الأفكار الجديدة هي في حقيقتها ليست جديدة ، وإنما أفكار قديمة تصاغ بقوالب جديدة ، فلماذا لا نكون نحن هؤلاء الصُّياغ ، لماذا نترك مهنة الصياغة لغيرنا مع أنها من أكثر المهن ثراءً وجلبًا للأرباح .
إن ما أدعو إليه هو أن يكون الانطلاق من الواقع والحاضر إلى الماضي ، ولكن الذي يحصل هو أن الدراسات الإسلامية لا تنطلق حتى من الماضي إلى الحاضر ، وإنما تظل حبيسة الماضي دون أن تقيم أي صلة مع الحاضر والواقع المعاصر ، وهو ما يجعلنا غرباء عن عصرنا ، ويجعل غيرنا أكثر تآلفًا وتصالحًا ومودة معه ، وبالتالي قبولًا منه .