فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 15

8 -ولمزيد من الوفاء العلماني لجذوره الغربية الدنيوية اجترّ كل ما قاله المبشرون من أمثال فندر في كتابه ميزان الحق والمستشرقون من أمثال نولدكه وبلاشير بخصوص تاريخ القرآن وجمعه وكتابته ، فردد كل ما قاله هؤلاء من طعن في سلامة القرآن عن التحريف ، وإشاعة للأخبار الكاذبة التي وضعها الزنادقة ، وروجها المبطلون ، وهو في كل ذلك يعبر عن أشد أنواع الاستلاب ، ويعاني من أخطر جراثيم الافتراس .

أم واجبنا نحن المسلمين فعلينا أن نقارع الخصم بنفس أسلحته ، وعلينا أن لا نكتفي بالإدانة والرفض والتسفيه ، لأن ذلك إذا لم يقترن بالحجة والبرهان يكون ضرره أكثر من نفعه ، ولا بد من قراءة مصادر العلمانيين ومراجعهم والاطلاع على أحدث ما يتبجحون به ، مع العلم بان أحدث ما يتبجحون به مرفوض في بيئته ، ومهجور في عقر داره . لقد قلت كما قال الدكتور عبد العزيز حمودة بان العلمانيين أو الحداثيين يحسنون فن العرض والتغليف ، يساعدهم على ذلك الاطلاع على اللغات الأجنبية التي تثري في نفس الوقت لغتهم العربية بسبب تفاعل اللغات ، وتراكم التراكيب والكلمات ، وتيسر النحت والاشتقاق الذي يتأتى بكثرة المتقابلات والمترادفات الحديثة والجديدة ، والتي تغري الجيل الجديد ، وتعزز ثقته بقدرة الخطاب العلماني على الإبداع والتجديد .

إننا في عصر تكون الغلبة فيه لمن يحسن الدعاية والإعلان في الغالب ، وعلينا أن لا نزدري ذلك وأن نوليه كثيرًا من الاهتمام إلى جانب ما نملكه من جوهر نفيس ، وتراث عزيز، وحضارة باسقة . إن علماءنا السالفين لم يستهينوا بالأفكار الوافدة ، والفلسفات الغازية، بل تفاعلوا معها وأتقنوها حتى بزوا أهلها، وفاقوا أعلامها ، فنازلوهم عند ذلك منازلة الأقران، وصاولوهم مصاولة الشجعان فلم تمض سنوات قليلة حتى هُضمت العلوم المختلفة ثم أُعيد بناؤها من جديد بما يتلاءم مع مبادئ الإسلام ومثله العليا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت