لا يكون الخالق عالما وهذا
ص -25- له طريقان: أحدهما: أن يقال نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق وأن الواجب أكمل من الممكن ونعلم ضرورة أنا إذا فرضنا شيئين أحدهما عالم والآخر غير عالم كان العالم أكمل منه فإذا لم يكن الخالق سبحانه عالم يلزم أن يكون غير عالم أي جاهلا وهو ممتنع.
الثاني: أن يقال كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منهم ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عاريا منه بل هو أحق والله سبحانه وله المثل الأعلى لا يستوي هو والمخلوق لا في قياس تمثيل ولا قياس شمول بل كل ما أثبت لمخلوق فالخالق به أحق وكل نقص تنزه عنه مخلوق فتنزيه الخالق عنه أولى.
فصل:
وأما قوله:"والدليل على قدرته إيجاده الأشياء وهي إما بالذات وهو محال وإلا لكان العالم وكل واحد من مخلوقاته قديما وهو باطل فتعين أن يكون فاعلا بالاختيار وهو المطلوب"فقد يقال هذا إنما أثبت به أنه فاعل بالاختيار وإن كان لم يقرر مقدمات دليله وفعله بالاختيار يثبت الإرادة ولا يثبت القدرة وهو قد أثبت الإرادة فيما بعد: فظاهر هذا أنه كرر دليل الإرادة ولم يذكر على القدرة دليلا لكن تقرير ذلك أن يقال إنه إما أن يكون المبدع للأشياء مجرد ذات عارية عن الصفات يستلزم وجوده المفعول كما يقوله المتفلسفة القائلون بقدم الأفلاك وإما أن يكون ذاتا موصوفة بالصفات لا يجب معها وجود المخلوقات كما عليه أهل الملل.
وإذا أردت التقسيم الحاضر قلت: الفاعل إما مجرد الذات وإما الذات بصفة فإن كان الأول فمعلوم أن العلة التامة تستلزم وجود المعلول فإذا كان مجرد الذات هو الواجب فمجرد الذات علة تامة فيلزم وجود المعلول جميعه ويلزم قدم جميع الحوادث وهو خلاف المشاهدة وإن كان الثاني فالصفة التي يصلح بها الفعل هي القدرة أو يقال: فإذا لم يكن موجبا لذاته بل بصفة تعين أن يكون مختارا فإنه إما موجب بالذات وإما فاعل بالاختيار والمختار إنما يفعل بالقدرة