ص -24- أحدهما: أنهما إذا اشتركا في وجوب الوجود وامتاز كل منهما بتعينه فمعلوم أن وجوب أحدهما ليس هو عين وجوب الآخر كما أن عينه ليست عينه بل هذا واجب وهذا واجب كما أن هذا عين وهذا عين واشتراكهما في وجوب الوجود المطلق كاشتراكهما في التعيين المطلق والمطلق إنما يكون مطلقا في الأذهان لا في الأعيان فعين هذا واجبة وجوبا يخصها وعين هذا واجبة وجوبا يخصها والذهن يجرد وجوبا مطلقا وتعينا مطلقا وإذا كان كذلك بطل قول القائل إن كلا منهما مركب مما به الاشتراك وما به الامتياز بل ما به الاشتراك وهو الوجوب مثل ما به الامتياز وهو التعيين وهذه الحجة كثيرة في كلامهم والغلط فيها واقع لا حيلة فيه وإنما نشأ الغلط حيث أخذوا في الوجوب ما يشتركان فيه وفي التعيين ما يخص وهذا يمكن معارضته بمثله بأن يقال هما مشتركان في التعيين إذ هذا معين وهذا معين ويمتاز كل منهما بوجوبه إذ لكل منهما وجوب يخصصه وإذا أمكن العكس تبين أن ما فعلوه تحكم محض.
الطريق الثاني: أن يقال: هب أن هذا تركب مما به الاشتراك والامتياز لكن دليله على نفي مثل هذا التركيب باطل كما تقدم.
فصل:
وأما قوله:"والدليل على علمه إيجاده الأشياء لاستحالة إيجاده للأشياء مع الجهل"فهذا الدليل مشهور عند نظار المسلمين أولهم وآخرهم والقرآن قد دل عليه كما في قوله تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} ، والمتفلسفة أيضا سلكوه وبيانه من وجوه:
أحدها: أن إيجاده للاشياء هو بإرادته كما سيأتي والإرادة تستلزم تصور المراد قطعا وتصور المراد هو العلم فكان الإيجاد مستلزما للإرادة والإرادة مستلزمة للعلم فالإيجاد مستلزم للعلم.
الثاني: أن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير عالم وبهذين الطريقين يتقرر ما ذكره ولهم طرق منها أن من المخلوقات ما هو عالم والعلم صفة كمال ويمتنع أن