إذ القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يفعل فأما من يلزمه المفعول بدون إرادته فهذا ليس بقادر بل ملزوم بمنزلة الذي تلزمه الحركات الطبيعية التي لا قدرة له على فعلها ولا تركها.
فصل:
وأما قوله:"والدليل على أنه حي علمه وقدرته لاستحالة قيام العلم والقدرة بغير الحي"
ص -26- فهذا دليل مشهور للنظار يقولون قد علم أن من شرط العلم والقدرة الحياة فإن ما ليس بحي يمتنع أن يكون عالما إذ الميت لا يكون عالما والعلم بهذا ضروري.
وقد يقولون هذه الشروط العقلية لا تختلف شاهدا ولا غائبا فتقدير عالم لا حياة به ممتنع بصريح العقل.
وكذلك قوله:"والدليل على إرادته تخصيصه الأشياء بخصوصياته واستحالة المخصص من غير مخصص"فإن هذا دليل مشهور للنظار ويقرر هكذا أن العالم فيه تخصيصات كثيرة مثل تخصيص كل شيء بماله من القدر والصفات والحركات كطوله وقصره وطعمه ولونه وريحه وحياته وقدرته وعلمه وسمعه وبصره وسائر ما فيه مع العلم الضروري بأنه من الممكن أن يكون خلاف ذلك إذ ليس واجب الوجود بنفسه ومعلوم أن الذات المجردة التي لا إرادة لها لا تخصص وإنما يكون التخصيص بالإرادة ولو قيل التخصيص هو بأسباب معلومة كالأرض والأشجار تكون مختلفة فإذا سقيت بماء واحد اختلف ثمارها لاختلاف القوابل كما أن الشمس تختلف آثارها بحسب القوافل كما تبيض الثوب وتسود وجه القصار وتلين اليابس الذي لم ينضج بما تجذبه إليه من الرطوبة وتجفف الرطب الذي كمل نضجه لانقطاع الرطوبة عنه.
قيل: هب أن الأمر كذلك فما الموجب لاختلاف القوابل حتى خصت هذه الشجرة وهذا الجسم بسبب آخر فلا بد أن ينتهي الأمر إلى سبب لا سبب فوقه فإن قيل هو شيء صدر عنه كما تقول المتفلسفة لا يصدر عن الواحد إلا واحد والصادر الأول هو العقل وصدر عن العقل عقل ونفس وفلك فهذا باطل لأنه إن كان الصادر الأول واحدا من كل وجه لم يصدر عنه أيضا إلا واحد وإن كان فيه كثرة فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد