على إخراج أحاديث قد تعددت طرقها في كل طبقات رواتها، تعددًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب أو صدوره منهم اتفاقًا، وكلها قد انتهت إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله.
قال الحافظ ابن حجر"ت 852هـ":"ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودًا وجود كثرة في الأحاديث: أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت إلى إخراج حديث، وقد تعددت طرقه تعددًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب - إلى آخر الشروط - أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير" (1) .
وقال في الرد على القولين الأولين -يعني القلة والندرة (2) :"ممنوع وكذا ما ادعاه غيره من العدم؛ لأن ذلك ناشئ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤوا على كذب أو يحصل منهم اتفاقًا" (3) .
قلت: ويمكن الجمع بين القولين الأولين من جهة والقول الثالث من جهة أخرى، وذلك بحمل القولين على المتواتر اللفظي؛ فإنه فعلًا قليل نادر إذا قورن بالمتواتر المعنوي، وبحمل قول الجمهور على المتواتر المعنوي، فإنه كثير إذا قورن بالمتواتر اللفظي والله أعلم (4) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نزهة النظر، ص: 19.
(2) هذا من عندي للإيضاح.
(3) النكت على نزهة النظر، ص: 61.
(4) وانظر: شرح النووي على مسلم 1/ 120.