الحديث، بعيدًا عن علم الكلام وتطبيقاته العملية، لذا نجده يحذر من علم الكلام وأهله، واشتهر عنه قوله:"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الرأي" (1) .
سادسًا: أن من جاء بعد الإمام الشافعي - ولاسيما علماء الأصول - لم يَسْلموا من تأثير علم الكلام في تصانيفهم، حتى أصبح يطلق عليهم فيما بعد: علماء المتكلمين، ويراد بهم علماء الأصول.
ولمَّا كان أصول الفقه الغرض منه وضع القواعد الكلية التي تستخرج بها الأحكام من أدلتها التفصيلية، وكانت السنة المطهرة هي المصدر الثاني لتلك الأدلة، فقد كان لعلماء الأصول عناية بالسنة النبوية من حيث معرفة طرقها وتعددها وما يترتب على ذلك من قوة الدليل وترجيح دليل على آخر، لكنهم لمَّا كانوا متأثرين بعلم الكلام نجد أنهم لم يتحرروا من قضايا قطعية الثبوت للدليل أو ظنيته، ومن ثم ظنية الدلالة وقطعيتها، مع أنهم قسموا الخبر - ومنه الحديث - إلى متواتر وآحاد، فإن المتواتر أيضًا لم يسلم من وضعه تحت هذا المحك نتيجة لتأثرهم بعلم الكلام.
ويعدّ الأصوليون هم أول من قسم الحديث إلى متواتر وآحاد، وقد شهد لهم بهذا علماء الحديث أنفسهم.
فهذا الإمام الخطيب البغدادي ينقل في"الكفاية" (2) تعريف الأصوليين للخبر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص 156.
(2) ص 50.