ص -348- المتفرد بها لا يشركك فيها أحد، فذكر المفعولين هنا يخل بتمام المعنى وبلاغته، وإذا كان المقصود ذكرهما ذكرًا معًا، كقوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} الكوثر:1، فإن المقصود إخباره لرسوله صلى الله عليه وسلم بما خصه به وأعطاه إياه من الكوثر، ولا يتم هذا إلا بذكر المفعولين، وكذا قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} الإنسان:8، وإذا كان المقصود أحدهما فقط اقتصر عليه، كقوله تعالى: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} المائدة: الآية55.
المقصود به أنهم يفعلون هذا الواجب عليهم ولا يهملونه، فذكره لأنههم المقصود، وقوله: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} المدثر:44, لما كان المقصود الإخبار عن المستحق للإطعام أنهم بخلوا عنه، ومنعوه حقه من الإطعام، وقست قلوبهم عنه، كان ذكره هو المقصود دون المطعوم.
وتدبر هذه الطريقة في القرآن وذكره للأهم المقصود وحذفه لغيره يطلعك على باب من أبواب إعجازه، وكمال فصاحته.
وأما فعل الترك فلا يشعر بشيء من هذا ولا يمدح به فلو قلت: فلان يترك, لم يكن مفيدًا فائدة أصلا, بخلاف قولك: يطعم ويعطي ويهب ونحوه. بل لا بد أن تذكر ما يترك، ولهذا لا يقال: فلان تارك.
ويقال: معط ومطعم، ومن أسمائه سبحانه: المعطي, فقياس"ترك"على"أعطى"من أفسد القياس {سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} الصافات:79, جملة محكية قال الزمخشري: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ} الصافات: 78,من الأمم هذه الكلمة و هي: {سَلامٌ عَلَى نُوح} الصافات: 79, يعني يسلمون عليه تسليمًا، ويدعون له, وهو من الكلام المحكي, كقولك: قرأت: سورة أنزلناها.
الخامس: أنه قال: سلام على نوح في العالمين فأخبر سبحانه أن هذا السلام عليه في العالمين, ومعلوم أن هذا السلام فيهم هو سلام