ص -347- إذا سمع قوله: وتركنا عليه في الآخرين كيف يجد قلبه متشوقا متطلعًا إلى تمام الكلام، واجتناء الفائدة منه، ولا يجد فائدة الكلام انتهت وتمتت ليظمئن عندها, بل يبقى طالبًا لتمامها، وهو المتروك، فالوقف على الآخرين ليس بوقف تام.
فإن قيل: فيجوز حذف المفعول من هذا الباب، لأن ترك هنا بمعنى أعطى, لأنه أعطاه ثناء حسنًا أبقاه عليه في الآخرين, ويجوز في باب أعطى ذكر المفعولين، وحذفهما، والاقتصار على أحدهما, وقد وقع ذلك في القرآن كقوله: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} الكوثر:1 فذكرهما, وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الليل:5, فحذفهما، وقال تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} الضحى:5، فحذف الثاني, واقتصر على الأول. وقال تعالى: { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} المائدة: من الآية55, فحذف الأول واقتصر على الثاني.
قيل: فعل الإعطاء فعل مدح، فلفظه دليل على أن المفعول المعطى قد ناله قطاء المعطى، والإعطاء إحسان ونفع وبر، فجاز ذكر المفعولين وحذفهما والاقتصار على أحدهما بحسب الغرض المطلوب من الفعل، فإن كان المقصود إيجاد ماهية الإعطاء المخرجة للعبد من البخل والشح والمنع المنافي للإحسان ذكر الفعل مجردًا، كما قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الليل:5, ولم يذكر ما أعطى ولا من أعطى وتقول: فلان يعطي ويتصدق ويهب ويحسن, وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت لما كان المقصود بهذا تفرد الرب سبحانه بالعطاء والمنع، لم يكن لذكر المعطى ولا لحظ المعطى معنى, بل المقصود أن حقيقة العطاء والمنع إليك لا إلى غيرك, بل أنت