الصفحة 337 من 357

ص -346- وقد زعمت طائفة, منهم ابن عطية وغيره: أن من قال: تركنا عليه ثناء حسنًا ولسان صدق, كان سلام على نوح في العالمين جملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب, وهو سلام من الله سلم به عليه. قالوا: فهذا السلام من الله أمنة لنوح في العالمين أن يذكره أحد بشر, قاله الطبري, وقد يقوي هذا القول أنه سبحانه أخبر أن المتروك عليه هو في الآخرين، وأن السلام عليه في العالمين, وبأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أبقى الله عليه ثناء حسنًا.

وهذا القول ضعيف لوجوه:

أحدها: أنه يلزم منه حذف المفعول لـ"تركنا"ولا يبقى في الكلام فائدة على هذا التقدير, فإن المعنى يؤول إلى أنا تركنا عليه في الآخرين أمرًا لا ذكر له في اللفظ, لأن السلام عند هذا القائل منقطع بما قبله لا تعلق له بالفعل.

الثاني: أنه لو كان المفعول محذوفًا كما ذكره, لذكروه في موضع واحد ليدل على المراد منه عند حذفه, ولم يطرد حذفه في جميع من أخبر أنه ترك عليه في الآخرين الثناء الحسن، وهذه طريقة القرآن، بل وكل كلام فصيح أن يذكر الشيء في موضع ثم يحذفه في موضع آخر لدلالة المذكور على المحذوف، وأكثر ما تجده مذكورًا، وحذفه قليل, وأما أن يحذف حذفًا مطردًا ولم يذكره في موضع واحد ولا في اللفظ ما يدل عليه، فهذا لا يقع في القرآن.

الثالث: أن في قراءة ابن مسعود: وتركنا عليه في الآخرين سلام بالنصب, وهذا يدل على أن المتروك هو السلام نفسه.

الرابع: أنه لو كان السلام منقطعًا مما قبله لأخل ذلك بفصاحة الكلام وجزالته، ولما حسن الوقوف على ما قبله, وتأمل هذا بحال السامع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت