ص -129- لا يدعى رسوله بما يدعو الناس بعضهم بعضا, بل يقال: يا رسول الله, ولا يقال: يا محمد, و إنما كان يسميه باسمه وقت الخطاب الكفار, و أما المسلمون فكانوا يخاطبونه برسول الله. و إذا كان هذا في خطابه, فهكذا في مغيبه لا ينبغي أن يجعل ما يدعى به له من جنس ما يدعو به بعضنا لبعض, بل يدعو له بأشرف الدعاء وهو الصلاة عليه. ومعلوم أن الرحمة يدعى بها لكل مسلم, بل و لغير الآدمي من الحيوانات, كما في دعاء الاستسقاء:"اللهم ارحم عبادك وبلادك وبهائمك".
الوجه الثالث عشر: أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلا, والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء والتبريك و الثناء, قال:
وإن ذكرت صلى عليها وزمزما
أي برك عليها ومدحها, ولا تعرف العرب قط"صلى عليه"بمعنى رحمه"فالواجب حمل اللفظ على معناه المتعارف في اللغة."
الوجه الرابع عشر: أنه يسوغ بل يستحب لكل واحد أن يسأل الله أن يرحمه, فيقول: اللهم ارحمني, كما علم النبي صلى الله عليه وسلم الداعي أن يقول:"اللهم اغفر لي و ارحمني وعافني, و ارزقني", فلما حفظها قال:"أما هذا فقد ملأ يديه من الخير."
ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول:"اللهم صل علي"بل الداعي بهذا معتد في دعائه, و الله لا يحب المعتدين, بخلاف سؤاله الرحمة, فإن الله يحب أن يسأله عبده مغفرته ورحمته, فعلم أنه ليس معناهما واحدا.