ص -8 - ... عليه حق كبير؛ فقد ربياه صغيرًا، وتعبا من أجل راحته، وسهرا من أجل منامه.
تحملك أمك في بطنها وتعيش على حساب غذائها وصحتها لمدة تسعة شهور غالبا، كما أشار الله إلى ذلك في قوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} ، ثم بعد ذلك حضانة ورضاع لمدة سنتين مع التعب والعناء والصعوبة.
والأب كذلك يسعى لعيشك وقوتك من حين الصغر حتى تبلغ أن تقوم بنفسك، ويسعى بتربيتك وتوجيهك وأنت لا تملك لنفسك ضرًا ولا نفعا.
ولذلك أمر الله الولد بوالديه إحسانا وشكرًا، فقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} ، وقال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} .
إن حق الوالدين عليك: أن تبرهما وذلك بالإحسان إليهما قولًا وفعلًا، بالمال والبدن، تمتثل أمرهما في غير معصية الله، وفي غير ما فيه ضرر عليك، تليّن لهما القول، وتبسط لهما الوجه، وتقوم بخدمتهما على الوجه اللائق بهما، ولا تتضجر منهما عند الكبر والمرض والضعف، ولا تستثقل ذلك منهما، فإنك سوف تكون بمنزلتهما، وسوف تكون أبا كما كانا أبوين، وسوف تبلغ الكبر عند أولادك إن قدر لك البقاء كما بلغاه عندك، وسوف تحتاج إلى بر أولادك كما احتاجا إلى برك، فإن كنت قد قمت ببرهما فأبشر بالأجر الجزيل والمجازاة بالمثل، فمن بَرَّ والديه بَرَّ به أولاده. ومن عق والديه عق به أولاده. والجزاء من جنس العمل، فكما تدين تدان.
ولقد جعل الله مرتبة حق الوالدين مرتبة كبيرة عالية، حيث جعل حقهما بعد حقه المتضمن لحقه وحق رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ، وقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} .
وقدّم النبي صلى الله عليه وسلم بِرَّ الوالدين على الجهاد في