ص -600- قال أبو عبد الله الرازي:"البرهان الثاني": في بيان أنه يمتنع أن يكون متحيزا هو أنه لو كان متحيزا لكان متناهيا وكل متناه ممكن وكل ممكن محدث فلو كان متحيزا لكان محدثا وهذا محال وذاك محال.
يقال: هذه من حجج الجهمية قديما كما ذكر ذلك الأئمة وذكروا أن جهما وأتباعه هم أول من أحدث في الإسلام هذه الصفات السلبية وإبطال نقيضها: مثل قولهم ليس فوق العالم ولا داخل العالم ولا خارجه وليس في مكان دون مكان أو ليس في مكان ولا بمتحيز ولا جوهر ولا جسم ولا له نهاية ولا حد ونحو هذه العبارات إلى أن قال: وإذا عرف أصل هذا الكلام فجميع السلف والأئمة الذين بلغهم ذلك أنكروا ما فيه من هذه المعاني السلبية التي تنافي ما جاء به الكتاب والسنة إلى أن قال:
والكلام على هذه الحجة في مقامين: (أحدهما) منع المقدمة الأولى و (الثاني) منع المقدمة الثانية أما (الأولى) فهو قول من يقول: هو فوق العرش وليس له حد ولا مقدار ولا هو جسم كما يقول ذلك كثير من الصفاتية من الكلابية وأئمة الأشعرية وقدمائهم ومن وافقهم من الفقهاء الطوائف الأربعة وغيرهم وأهل الحديث والصوفية وغير هؤلاء وهم أمم لا يحصيهم إلا الله إلى أن قال: وأما (المقام الثاني) فكلام من لا ينفي هذه الأمور التي يحتج بها عليه نفاة العلو على العرش ليس لها أصل في الكتاب والسنة بل قد يثبتها أو يثبت بعضها لفظا أو معنى أو لا يتعرض لها بنفي ولا إثبات وهذا المقام هو الذي يتكلم فيه سلف الأمة وأئمتها وجماهير أهل الحديث