والوقتُ أنفَسُ ما عُنيتَ بحفظِهِ وأراه أسهَلُ ما عليك يَضيعُ (1)
تعب من الراحة !
عندما ينتحر الحماس ؛ تبحث عنه في المؤسساتِ الإغاثية ، والمكاتبِ الدعوية ، والدوراتِ العلمية ، والمخيماتِ الصيفية ، والمشاريعِ التطوعية ، والأنشطةِ التربوية ، والأعمالِ الخيرية ، فلا تجده ..
فلا شُغْلَ له سوى الاستراحات والنُّزْهات ، والسفريات والرِّحْلات ، والملاهي والمقاهي
يصيدُ ما يحوم أو يعوم في كلِّ يوم .. ومن تتبَّع الصيد غفل .
وقد شُرعت النُّزْهات المباحةُ لجلب الراحة لمن يعيش الجدية في حياته ، فإن النفس إذا كلَّت ملَّت ، ولا بُدَّ لها من فسحة في حلال ، ولكن أن يصبح الأصل في وقته الغالي إهداره في التسالي وضياعه في الفُسَح ، فهذا انتكاسٌ وارتكاس ، وانحراف عن الجادة ، وعدول عن منهج السالفين .
سألَ سائلٌ ابنَ الجوزي: أيجوز أن أُفسح لنفسي في مباح الملاهي ؟
فقال له: عند نفسك من الغفلة ما يكفيها .
نهارُك يا مغرورُ سَهوٌ وغفلةٌ وليلُك نومٌ والرَّدَى لك لازم
وسعيُك فيما سوف تَكْرَهُ غِبَّهُ كذلك في الدنيا تعيش البهائم
تُسَرُّ بما يفنى وتفرحُ بالمُنى كما اغترَّ باللذات في النوم حالِمُ
جرح بدون تعديل !
عندما ينتحر الحماس ؛ تُمْلأُ مجالسه بالقيل والقال ، وكثرة المراء والجدال ، والخوض في أخبار الناس وأحوالهم ، ومثالبهم ونقائصهم ، فيجلس لساعات طويلة في مجالس الغفلة مع من يشاكله في طباعه ، ويشابهه في ضياعه ، لا يذكرونَ الله إلا قليلًا ، يتلاوَمُون كالأنتان ! ويتناطحون كالثيران .
وربما لا همَّ لهم إلا الاشتغال بالصالحين ، وانتقاد العاملين ، وتجريح الناشطين ، وتخذيل المجتهدين ، وتصنيف الباذلين ، وإساءة الظن في المؤمنين ..
فأجرأُ من رأيتُ بظهر غيب على عيب الرجال: ذوو العيوب
(1) ابن هبيرة .