سَلِمَ منه اليهودُ على ظُلمهم ، والنصارى على ضَلالهم ، وأهلُ العلمنة على كيدهم ، وأهلُ الشهواتِ على فسادهم ، وأهلُ التصوف على انحرافهم ، وأهلُ التشيُّع على زَيغهم ، وأهلُ الأهواء والأدواء ، واشتغلَ ـ تربت يده ورغم أنفه ـ بالمؤمنين الصادقين ..
التهى بعيوب الناس عن عيبه ، واهتم بذنوبهم عن ذنبه ، وأصبح من أَكَلَةِ لُحومِ البَشَر ، ينهش في لحوم الغائبين عنه ، ويتشهى بذكر عيوبهم ورصد أخطائهم ، وكل ذلك تحت مسميات شرعية ( كمصلحة الدعوة ! ) و ( كشف أهل البدع ! ) و ( بيان إحداث أهل الأهواء ! ) و ( الجرح والتعديل ! )
مصطلحات ظاهرها وباطنها الرحمة عند أهل الحق ، وحقيقتها ـ عند هذا وأمثاله ـ الشهواتُ الخفية ، و الحقد والحسد ، وأمراض القلوب وأدواؤها ، كما قال عمرو بن الحمق عندما دخل مع من تسوروا الدار على الحيِيِّ عثمانَ بن عفان ـ رضي الله عنه ـ ليضربه تسع ضربات في صدره ، وهو يقول: ثلاثٌ لربي وسِتٌ لقلبي ، وذلك عندما ضرب الغافقي ـ عليه من الله ما يستحق ـ عثمانَ ـ رضي الله عنه ـ بحديدة معه ، وضرب المصحف برجله ، فاستدار المصحف واستقر بين يديه ، وسالت عليه الدماء ..
"وهم يهابون في قتله ، وكان كبيرًا ، وغُشيَ عليه ، ودخل آخرون ، فلما رأوه مغشيًا عليه جروا برجله ، فصاحت نائلةُ وبناتُه ، وجاء التَّجيبي مخترطًا سيفه ليضعه في بطنه ، فَوَقَتْهُ نائلة ، فقطع يدها ، واتكأ بالسيف عليه في صدره ، .."
"وأما عمرو بن الحمق فوثب على صدره وبه رَمَقٌ ، فطعنه تسعَ طعناتٍ ، وقال: فأما ثلاث منها فإني طعنتهن إياه لله تعالى ، وأما ست فلما كان في صدري عليه . وأرادوا قطع رأسه ، فوقعت عليه نائلة وأم البنين ، وصاحتا ، وأقبل عمير بن ضابىء فوثب عليه ، فكسر ضلعًا من أضلاعه .." (1)
(1) الكامل ـ ابن الأثير (3/179 ) .