إن استنباط حكم في أية مسألة يقتضي جمع النصوص التي تتعلق بالمسألة وبعدها ننظر لنخرج بالحكم بعد الإحاطة -على قدر الإمكان- بما ورد فيها من النصوص.
فإذا سمعنا الحديث الذي رواه البخاري عن أم عطية رضي الله عنها قالت: (بايعنا رسول الله ص فقرأ علينا أن لا يشركن بالله شيئا ونهانا عن النياحة ، فقبضت امرأة يدها...) (1) . 1- فتح الباري ح- (01/262) .
لا يجوز أن نأخذ حكما بمفهوم المخالفة للحديث فقبضت امرأة يدها أن غيرها صافح الرسول ص في البيعة.
لأن هذا المفهوم يعارض المنطوق الصريح لحديث البخاري الآخر قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ص: قد بايعتك كلاما ، ولا والله ما مست يد رسول الله ص يد امرأة قط في المبايعة ، ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتكن على ذلك) (1) . 1- فتح الباري ح- 01/162.
وبعد أن نطلع على الحديث الثاني نفهم الأول أن المراد من فقبضت امرأة يدها كناية عن تأخرها عن قبول شروط البيعة.
إن الحكم على منهاج رجل أو عقيدته أو اتجاهه أو مسلكه أو لغته لايتم من خلال قراءة عبارة مقطوعة مبتورة من احدى صفحات كتبه ، ان الخروج على الناس بحكم على مفكر لا يجوز أن يتم قبل مطالعة كتبه ، ومعرفة المتقدم والمتأخر منها ، ومن المعلوم كما بلغني من الثقات أن الشيخ الألباني كان يقول: إن خير من كتب عن التوحيد في هذا العصر هو سيد قطب ، وكان ينصح بقراءة معالم في الطريق لأنه يرى أن الكتاب وضح التوحيد
وسواء شهد لسيد قطب الناس أم لم يشهدوا ، فالحقيقة أكبر من أن تغطى لأن الشمس لا تغطى بغربال ، إن سيدا نذر حياته لشرح حقيقة التوحيد
وهذا لا يعصم الإنسان من الخطأ أحيانا ، أو يمنع من أن يكون في بعض عباراته غموض ، وهذه العبارات الغامضة أو المبهمة تحمل على السيل الجارف من النصوص الموضحة للتوحيد والتي تتجلى فيها العقيدة الصافية للسلف بلا غبش ولا غموض.