بينما يراهم بعض المتأخرين على أنهم حركة مقاومة للنفوذ الأجنبي الفارسي على بغداد كما يرى النجار في دراسته (حكايات الشطار والعيارين) [1]
قلت وينبغي التفريق بين جهود المقاومة السياسية في بغداد وبين السلوك الانتهازي للعيارين، و قد تقتضي بعض المواقف والأحداث تلاقيا بينهما لما ينشأ من ذلك التلاقي من منافع مشتركة للطائفتين، وهو تلاق طارئ بلا ريب إذ أن المصالح العليا لكل منهما متعارضة.
هذه الأهداف الحسنة للمقاومة لا نجدها عند العيارين كما يدعي النجار في كتابه وأن هدفهم كان تخليص بغداد من النفوذ الأجنبي، وهو تعليل يتضح فيه تأثير المعطيات التاريخية والسياسية السائدة زمن المؤلف، غير أن هذا لا وجود له في واقع الأحداث المشار إليها.
و قد أعقب سقوط بغداد ومقتل الأمين سنة ثمان وتسعين ومئة، وحتى عودة المأمون لها سنة مائتين وأربع أن عاشت بغداد عهدا من الفوضى السياسية لم تكن السلطة قادرة بوضوح على ضبط الأمن فيها، خصوصا بعد عزل طاهر بن الحسين وتوليته الرقة وإرسال الحسن بن سهل واليا على بغداد وهو أخو الفضل بن سهل وزير المأمون و المكروه من قبل الأوساط العامة والخاصة في بغداد مما فجر النقمة على سياسات المأمون، ويصف الطبري موقف أهل بغداد من هذا الإجراء بقوله:"فغضب لذلك بالعراق من كان بها من بني هاشم [2] ووجوه الناس وأنفوا من غلبة الفضل بن سهل على المأمون، واجترؤوا على الحسن بن سهل بذلك" [3]
(1) النجار"الشطار والعيارون"... ص ص117 - 131
(2) تعبير (بني هاشم) في هذا النص وفي غيره من كتاب الطبري لهذه الحقبة وما بعدها إنما يقصد به (بنو العباس) غالبا. كما يظهر لمتتبع هذه التعبيرات.
(3) الطبري"مرجع سابق"ج 8 ص 528