وتعد الفتنة التي وقعت بين الأمين وجيوش أخيه المأمون في بغداد أول فرصة للعامة في بغداد لاتخاذ مواقف سياسية وعسكرية وهذه الحادثة تعد النقطة الزمنية المثلى التي يمكن الانطلاق منها، إذ هي لم تكن حادثا تاريخيا عابرا، وإنما كانت خطا فاصلا بين عصرين. عصر الاستقرار السياسي، وعصر القلق السياسي الذي كُتب على بغداد هذه العاصمة الضخمة أن تعيشه حتى السقوط الكبير لها على يد المغول.
وقد كان الخلاف العميق بين الأمين والمأمون على السلطة أول مناسبة اتضح فيها الفعل الشعبي بوضوح، وهذا ما لحظه شاكر مصطفى في كتابه (دولة بني العباس) قال معددًا نتائج الخلاف بين الأمين والمأمون:"أدى اعتماد الأمين على عناصر العامة في بغداد إلى تكتيلها وشعورها بقوتها، ولهذا فإنها سوف تظهر خلال العهود المقبلة كجماعة مسلحة وذات تأثير مباشر في الأحداث المختلفة ولا سيما عند الأزمات" [1]
ويذكر أحد شعراء بغداد عن الحرب بين الأخوين فيقول:
خرّجت هذه الحروب رجالًا ... لا لقحطانها ولا لنزار
معشرا في جواشن الصفوف يغدو ... ن إلى الحرب كالأسود الضواري
ليس يدرون ما الفرار إذا الأبـ ... طال عاذوا من القنا بالفرار
ولم تكن مشاركة العوام في القتال إلى جانب الأمين لدوافع اقتصادية أو فوضوية كما توحي بذلك نصوص الطبري التي تعكس موقف أنصار المأمون، و النظرة المتعالية التي ينظر بها المؤرخون والمثقفون للعوام بل كانت تعبيرا
(1) مصطفى"دولة بني العباس"ج 1 ص450