الصفحة 16 من 311

أن الخرقي الحنبلي توفي في دمشق بسب بإنكاره للمنكر، كذلك جاء في ترجمة أبي بكر الزاهد العلثي أن سبب تركه لصناعته - وكان يجصص الحيطان - أنه دخل مرة مع الصناع إلى بعض دور السلاطين مكرها وكان فيها صور من الاسفيداج [1] مجسمة فلما خلا كسرها كلها فاستعظموا ذلك فقال: هذا منكر والله أمر بكسره، فانتهى أمره إلى السلطان وقيل هذا رجل صالح مشهور بالديانة وهو من أصحاب ابن الفراء فقال يخرج ولا يكلم ولا يقال له شيء يضيق به صدره ولا يُرجع يجاء به إلى عندنا" [2] "

وقد رافق هذا السلوك العملي خشونة وزهدا في وجه الهجمة القوية لعوامل الترف والفساد الخلقي والاقتصادي الذي اجتاح بغداد عقب سيطرة الأتراك على الخلافة العباسية، ويصف ابن عقيل الحنبلي وقد كتب له بعضهم أن صِفْ أصحابَ الإمام أحمد على ماعرفت من الإنصاف فكتب إليه يقول: هم قوم خُشن تقلصت أخلاقهم عن المخالطة، وغلظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجد وقل عندهم الهزل، وغربت نفوسهم عن ذل المراءاة، وفزعوا عن الآراء إلى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرجا عن التأويل وغلبت عليهم الأعمال الصالحة، فلم يدققوا في العلوم الغامضة بل دققوا في الورع وأخذوا ما ظهر من العلوم وماوراء ذلك قالوا الله أعلم بما فيها من خشية باريها، ولم أحفظ على أحدهم منهم تشبيها، وإنما غلبت عليهم الشناعة لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار من غير تأويل ولا إنكار، والله يعلم أني لا

(1) قال صاحب القاموس"الاسفيداج بالكسر رماد الرصاص والآنك والآنكي إذا شدد عليه الحريق صار اسرنجا ملطِّف معرب"اهـ

(2) ابن رجب ذيل الطبقات (طبعة الدهان) ج 1 ص130

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت