المذهب الحنفي المذهب الرسمي للدولة الذي اقتصر وجوده آنذاك على الدوائر الرسمية كالقضاء والإفتاء.
وإني في قراءتي لتاريخ المذهب الحنبلي أحاول تتبع نمو البذور الأولى لهذا المذهب في بغداد، مع ما رافق ذلك كله من مواجهات ونزاعات قُدر لهذا المذهب أن يخوضها باعتباره في بغداد عاصمة المسلمين ومقصد السالكين، لذا سنجد الحنابلة في أطوار من التاريخ في وجه الفساد والظلم وتخاذل السلطان يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وسنجد الحنابلة يقفون في وجه المعتزلة دعاة التأويل الكامل المؤدي إلى تعطيل النص القرآني، وسنجدهم حاضرين إبان فورة الرافضة وسيطرتهم على العالم الإسلامي يقفون في وجه منكراتهم ونياحهم وبدعهم، ثم نجدهم في الصف الأول لمواجهة دعاة التأويل الجزئي الذين عرفوا بالأشاعرة في معركة داخلية داخل المعسكر السني اصطلاحا. ثم نجد رجالاتهم وعلمائهم في معركة داخل أوساط المذهب الحنبلي نفسه للوقوف في وجه ما تسرب لهذا المذهب من قبل المنتسبين له.
وقد انطلق الحنابلة منذ نشأتهم من عدد من الأسس الواضحة التي التزموا بها طوال تاريخهم في بغداد وغيرها، من أهمها مسألة الالتزام بالنص على الصعيد المعرفي، ومسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الصعيد العملي، وهذا ماقاله أحد علمائهم أبو إسحاق العُلَثي في رسالته الناقدة لابن الجوزي قال"ومازال أصحابنا يجهرون بصريح الحق في كل وقت ولو ضربوا بالسيوف ولا يخافون لومة لائم" [1] وقد ذكر التاريخ الكثير من الشواهد الحية لمسألتي الالتزام بالنص والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد ذكر المؤرخين
(1) ابن رجب"ذيل الطبقات"ج2 ص 21