السنة وحفظها وتعليمها مضرب المثل، ومن ذلك كما هو مشهور خبر رحيل جابر - رضي الله عنه - إلى مصر طلبا لحديث واحد، وكذا من جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين، ثم نشأ قوم يمحصون الأسانيد ويتكلمون في أحوال الرجال من الرواة ليعرفوا سقيم الحديث وصحيحه، فبهؤلاء حُفظت السنة المطهرة، وتيسر لنا معرفة أقوال وأفعال محمد صلى الله عليه وسلّم وتقريراته، وكان هذا الحفظ رحمة من الله تعالى لعباده إذ لو ضاعت لتعسر عليهم معرفة الحق، ونال هؤلاء العلماء بما بذلوه اسم أهل الحديث كرامة من الله لهم إذ كانوا أهله.
وقد عنى هذا المصطلح (( أهل الحديث ) )في النصف الأخير من القرن الثاني للهجرة العلماء وطلاب العلم الذين يهتمون بجمع متون الأحاديث وتدقيق سندها، وقابل هذا مصطلح آخر (( أهل الرأي ) )وهم الفقهاء وخاصة فقهاء الأحناف.
بيد أنه ونتيجة اصطدام أهل الحديث بالفرق المنحرفة عن العقيدة وصراعهم مع الشيعة فالمعتزلة والجهمية فيما سمي في التاريخ بالمحنة، فقد رافق هذا الاسم مصطلح آخر هو (( أهل السنة ) ). وثبت أحد علماء الحديث وهو أحمد بن حنبل - رحمه الله - حتى صار موقفه من المحنة مثالا يحتذى، إذ قاوم هجمة الفكر الاعتزالي المدعوم من السلطة العباسية فيما عرف بمحنة خلق القرآن، وساهم هذا الموقف الثابت للإمام أحمد في تمحور ولاء سكان بغداد حول شخصية هذا الإمام، ثم ساهمت الجهود الحثيثة لتلاميذه في ولادة مذهب فقهي جديد تركز بشكل واضح في مدينة بغداد سمي بالمذهب الحنبلي، وسمي أتباعه بالحنابلة أو الحنبلية، واستطاع هذا المذهب الجديد أن يزاحم