ولا ينطلق من ذلك فيجعله زاده اليومي، ولا يقوم بذلك إلا المؤمن، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن الذي يقدس القرآن ويجعله مرجعه الأول، ومنبعه الصافي الذي يغترف منه، في كل وقت وحين؛ لأنه الكتاب الذي يعلو ـ بكل ما جاء فيه من حقائق ربانية ـ ولا يعلى عليه، فعند الاختلاف يكون هذا الكتاب الرباني هو الحَكَم، قبل اللجوء إلى العقل الإنساني ..
قال تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تُقَدِّموا بين يَدَيِ اللهِ ورسولِه واتَّقوا الهَ إنَّ اللهَ سميعٌ علِيمٌ) [سورة الحجرات، الآية: 1] وقال عز وجل أيضًا: (فَلا وربِّكَ لاَ يومنُونَ حتَى يُحَكِّمُوك فيما شَجَرَ بيْنَهُم ثمَّ لا يَجِدُوا في أنفُسِهم حرجًا مِمَّا قضيْتَ ويُسَلِّموا تسليمًا) [سورة النساء، الآية:64] وقال سبحانه كذلك: (ومَا كانَ لمُومِنٍ ولا مُومِنَة إذا قضَى اللهُ ورسُولُه أمرًا أن تكونَ لهم الخِيَرَةُ مِن اَمْرِهِم ومَن يَّعْصِ اللهَ ورسولَه فقد ضَّلَ ضلالًا مُّبينًا) [سورة الأحزاب، الآية: 36] وهذا لا يعني أن العقل لا قيمة له، وأنه عليه أن يتبع و لا يبتدع؛ بل جاء القرآن بدعوة المشركين ومجادلتهم بالآيات الكونية: الطبيعية والإنسانية، لكي تتفتّح عقولهم المغلقَة وإعدادها للتفكر والتدبر.
وكل من يتلو القرآن الكريم يجد أن عددا كبيرا من آياته تأمر بإعمال العقل، وتنهى عن إهماله، من ذلك قوله تعالى: (أَمَّن خَلَقَ السَماواتِ والاَرْضَ ... أَمَّن يَّبْدَؤُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُه ومَن يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّماءِ والاَرْضِ أَإلاهٌ مع اللهِ قُلْ هاتوا برهانَكُم إن كنتم صادقين) [سورة النمل، الآيات: 62 ـ 66]
وقال سبحانه في موضع آخر: (ولقد ذرأْنا لجهنم كثيرا من الجِنِّ والاِنْسِ لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرونَ بها ولهم آذانٌ لا يَسْمَعون بها أولئكَ كَالانعامِ بَلْ هم أضَلُّ أولئك هم الغافلون) [سورة الأعراف، الآية: 179] [1]
القسم الثاني:
(1) ـ عالج عدد من الأساتذة والباحثين مسألة الفكر والعقل وبينوا أهميته في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية مما يدل على أن الوحي الإلهي دعا الإنسان إلى إعمال العقل، ونوَه به، ورفع شأن مستخدميه، وذم التقليد والراكنين إليه .. من تلك البحوث القيمة التي عالجت هذا الموضوع ـ وهي أكثر من أن تحصى ـ كتاب أزمة العقل المسلم للدكتور عبد الحميد أبو سليمان، وإعادة تشكيل العقل المسلم للدكتور عماد الدين خليل، والقرآن والنظر العقلي للدكتورة فاطمة إسماعيل، والجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون للدكتور طه جابر العلواني ..