فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 23

زعم أصحاب هذا الاتجاه أن التفسير ليس حكرا على العلماء والمفسرين المسلمين، وأنهم ليسوا أوصياء على القرآن؛ بل من حق كل دارس أو مثقف ـ مسلما كان أو غير مسلم ـ أن يدلي برأيه في الموضوع، وأن يسهم في كشف المعاني من القرآن، وأن يأتي بالجديد، وذلك بتطوير مناهج المفسرين القدامى، بل تجاوزها؛ لأنها تحول بين القرآن والدارسين له، وتضيق الخناق عليهم للوصول إلى الفهم الصحيح لكلماته.

نماذج من مناهج العلماء في توظيف علوم القرآن في التفسير

1 ـ منهج الزمخشري في توظيف علوم القرآن في التفسير (ت 538 هـ) :

ذكر الزمخشري رحمه الله، المشهور بجار الله [1] ، في مقدمة تفسيره:"الحمد لله الذي أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما، ونزَّله بحسب المصالح منجَّمًا، وجعله بالتحميد مفتتحا وبالاستعاذة مختتمان وأوحاه على قسمين: متشابها ومحكما، وفصله سورا، وسوره آيات، وميز بينهن بفصول وغايات، وما هي إلا صفات مبتدإ مبتدع، وصفات منشإ مخترع فسبحان من استأثر بالأولية والقدم، ووسم كل شيء سواه؛ بالحدوث عن العدم. أنشأه كتابا ساطعا تبيانه، قاطعا برهانه، وحيا ناطقا ببينات وحجج، قرآنا عربيا غير ذي عوج، مفتاحا للمنافع الدينية والدنيوية، مصداقا لما بين يديه، من الكتب السماوية، معجزا، باقيا دون كل معجز على وجه كل زمان، دائر من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان، أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العرباء، وأبكم به من تحدى به من مصاقع الخطباء، فلم يتصدَّ للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض لأقصر سورة منه ناهض من بلغائهم على أنهم أكثر من حصى البطحاء، وأوفر عددا من رمال الدهناء ... ثم من أملأ العلوم بما يغمر القرائح وأنهضها القرائح وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سلكها، علم"

(1) ـ من عجائب هذا الزمان أننا نجد عدا من المثقفين مفتونين بالفكر المعتزلي ـ لا لكونه فكرا إسلاميا وإنما لكونه فكرا عقلانيا ـ نجدهم يشيدون بجهود الزمخشري الذي استطاع توظيف نظريات المعتزلة في تأويل نصوص القرآن الكريم، في تفسيره: (الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل) فلماذا لم يسلكوا سبيله في مجاورة بيت الله والدفاع عن تعاليم الإسلام وعلوم الشريعة وعلمي البيان والمعاني؟ ونفس الشيء فعلوه مع ابن رشد الفيلسوف، مع العلم أن ابن رشد رحمه الله كان طبيبا وفقيها مسلما، ولم يكن فيلسوفا فقط!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت