3 ـ أقسام المهتمين بالدراسات القرآنية قديما وحديثًا:
ويمكن تقسيم المهتمين بعلوم القرآن والتفسير بين التقليد والتجديد إلى قسمين عريضين:
القسم الأول:
تعامل أصحاب هذا الاتجاه ـ الذي يمثله العلماء والمفسرون والمفكرون المسلمون ـ مع كتاب الله تعالى تعاملا تعبديًا [1] وشموليا، وبحثوا عن المعاني لفهمه في ضوء آياته، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة والتابعين بالرواية عن المصطفى الأمين، كما استندوا إلى ما أجمعت عليه الأمة الإسلامية في فهم مراد الله ومقاصد تنزيل كتابه، وكيفية العمل به في الواقع، والاحتكام إليه في كافة شؤون الحياة.
أما ما وقع من اختلاف بين المفسرين، في منهج التعامل معه فهما وتطبيقا، فيمكن إرجاعه إلى مجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والمذهبية، التي غلب فيها ـ في كثير من الأحيان ـ التعصب للفكرة أكثر من التعصب للحق المخالف لها، وتقديس الفهم والعمل به في ضوء ذلك التعصب للفكرة.
ومن الأسباب أيضا ما يتعلق باختلاف العبارات، فالاختلاف الأول يدخل فيما يسمى"الاختلاف المذموم"وهو في الشريعة الإسلامية اختلاف ممنوع؛ لأنه"اختلاف تضاد"، كطلب المعنى الباطن المخالف قلبا وقالبا للمعنى الظاهر، كالصوم مثلا؛ فظاهر معناه أنه الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، خلال شهر رمضان. وهذا ما أجمعت الأمة الإسلامية عليه.
أما من يزعم بأن الصوم هو الإمساك عن إفشاء الأسرار التي يلقيها الشيخ على أتباعه، كما فعل كثير من الدجالين الذين لبسوا على عوام المسلمين أمور دينهم، لجهلهم
(1) ـ أي أنهم تعاملوا مع القرآن الكريم مباشرة ـ بخلاف غيرهم ممن تعاملوا مع القرآن دون أن يقرأوه ولو مرة واحدة في حياتهم ـ وتعبدوا الله به في صلواتهم، وابتغوا به الأجر بتلاوته وطلبوا المعنى منه، وسعوا إلى أن يهتدوا به في أمورهم كلها، عقيدة وشريعة، وأن يصلحوا به احوالهم في الدنيا والآخرة، ورقت قلوبهم رغبة ورهبة بصفة دائمة، لاعتقادهم أن هذا القرآن سيأتي يوم القيامة حجة لهم أو عليهم. فمن تعامل مع القرآن بهذه الحيثيات وغيرها كيف له أن يطلب التجديد المناقض لأسمى ما جاء به هذا الكتاب الذي ارتضاه الله تعالى ليكون هاديا على الحق والاستقامة في الأفكار والأقوال والأعمال. قال عز وجل: (وأَنَّ هذا صراطي مستقيمًا فاتَّبِعوهُ ولا تتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بْكُمْ عن سبيلْه ذَلِكُمْ وصَّاكُمْ بِه لَعلَّكُم تتَّقُونَ) [سورة الأنعام، الآية: 154]