فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 23

ومن خصائص هذا الكتاب أنّه"مُْعِجٌز"للفصحاء والبلغاء المشهود لهم بذلك وقت نزوله؛ فأنى لمن لم يكن ممن عاصروا تنزلات القرآن، أو لم يشموا رائحة اللغة العربية واستعمالاتها الممزوجة بالعلوم الإسلامية، أنّى لهم أن يتحدَّوا هذا القرآن.

إن فاقد هذه الشروط الأساسية في التعامل مع القرآن الكريم ـ تعاملا عقليًّا ـ لا يمكنه أن يكون موفَّقًا في فهم كلماته، واستيعاب معانيه، بَلْهَ تفسيرُه أو تأويلُه.

وقد تحدَّى الله تعالى الفصحاء المكذبين بالوحي وصدق نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بقوله: (وإن كنتم في ريبٍ مِمَّا نزَلْنا على عَبْدِنا فاتُوا بسورة مِن مِثْلِه وادعوا شُهداءَكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعَلوا ولن تفعَلوا فاتَّقُوا النَّارَ التي وَقُودُها النَّاسُ والحِجَارةُ أُعِدَّتْ للكافرين) [سورة البقرة، الآيتان: 22 - 23] .

ومن خصائص القرآن كذلك أنه كتاب"محفوظ"لأن الله تعالى وَعَدَ ـ ووعدُه حقٌّ ـ بأنه سيتولى حفظه، رغم كيد الكائدين، في كل زمان ومكان، الذين مهما طوَّروا أساليبهم ووسائلهم لتبديل رسم القرآن، أو تغيير إعرابه، أو تحريف معانيه، وغيرها من الخيانات، في حق ما نزل من السور والآيات، وهي أعظم ما يجب عليهم أن يحفظوه من الأمانات، التي أشفقت من حملها الأرض والجبال والسماوات.

قال سبحانه: (إنا نحن نزَّلْنا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافظون [1] [سورة الحِجْر، الآية: 9]

وقال تعالى: (مَن كان يريد العِزَّةَ فللهِ العزَّةُ جميعًا إليه يَصْعَدُ الكلِمُ الطّيِّبُ والعملُ الصّالِحُ يَرْفَعُه والذين يَمْكُرون السّيِّئاتِ لهم عذابٌ شديدٌ ومَكْرُ أولئك يَبُورُ) [سورة فاطر، الآية: 10]

(1) ـ ذكر الإمام القرطبي، أثناء تفسيره لهذه الآية، قصة طريفة بسنده عن الحسين بن فهم قال: سمعت يحيى بنَ أكثم يقول: كان للمأمون ـ وهو أمير إذ ذاك ـ مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيّب الرائحة، قال: فتكلّم فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما تقوّض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيليٌّ؟ قال: نعم، قال له: أَسْلِم حتّى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقال ديني ودين آبائي! وانصرف. فلما كان بعد سنة جاء مسلمًا، قال فتكلّم في الفقه فأحسن الكلام، فلما تقوَّض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال انصرفت من حضرتك، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنت تراني حسن الخط فعمَدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت منّي، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البِيعة فاشتُريت منّي، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الورّاقين فتصفّحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها؛ فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سببًا في إسلامي. قال يحيى بن أكثم: حجت تلك السنةَ فلقِيت سفيان بنَ عُينة فذكرت له الخبر فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله عز وجل. قال قلت: في أي موضع؟ قال في قول الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل: (بما استُحْفِظُوا مِن كتابِ الله) [المائدة: 44] ، فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال عز وجل: (إنا نحن نزَّلْنا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافظون) فحفظه الله عز وجل علينا فلم يضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت