فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 23

1 ـ تقديم:

جرت عادة المفسرين ـ في كل زمان ومكان ـ أن يبيّنوا أهميَّة تفسير كتاب الله وفضلَه، وأصولَه وقواعده وضوابطه ومقاصده.

وبالتتبع لكثير من التفاسير وجدنا تفاوتا بين مؤلفيها، في درجات الاقتراب من إصابة الحق أو الابتعاد عنه، عند التعامل مع كتاب الله تعالى؛ وذلك راجع لعدة أسباب، منها: ما هو علمي، ومنها ما هو منهجي، ومنها ما هو مذهبي، ومنها ما هو ذاتي.

ويمكن إدراك أن هذا التنوُّعَ ـ بغض النظر عن قيمته العلمية ـ يُشَكِّل في حدِّ ذاته عنصرًا من أهم العناصر، التي تؤكِّد عظمة القرآن المجيد، وقوتَه وهيمنتَه على أولي الألباب؛ لأنه"كلام الرحمن"الذي لا يستطيع أن يأتي بمثله إنس ولا جانّ. وقد شهد الوليد بن المغيرة، بذلك حيث قال:"والله! إن لقوله لَحلاوةً، وإن أصله لَعََذْقٌ، وإنَّ فرعه لَجناةٌ ..." [1] وقد أنزل الله في هذا الرجل آيات تكشف عن تردّده في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن [2] ،قال تعالى: (ذَرْني ومَن خَلَقْتُ وحيدًا وجَعَلتُ له مالا ممدودًا وبنين شُهودًا ومَهَّدْتُ له تمهيدًا ثُمَّ يَطمعُ أن اَزيدَ كلاَّ إنه كان لآياتنا عنيدًا سأُرْهِقُه صعودًا إنه فكَّرَ وقَدَّر فَقُتِلَ كَيْف قدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْف قدَّرَ ثُمَّ نظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبَر فقال إنَّ هَذَا سِحْرٌ يُوثَرُ إن هذا إلاَّ قَوْلُ البَشَرِ سأُصليهِ سَقرَ) [سورة المدّثِّر، الآيات: 11 - 26]

إن هذه الآيات الكريمات لتكشف لنا بدقة الطبيعة النفسية للوليد بن المغيرة؛ فهو كان من أكبر سادات قريش، وأكثرِهم مالًا، وأعلمِهم بالأشعار وسائر أنواع الكلام، ولذلك احتار في أمر الكلام الذي نزل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحسده على نعمة النبوة. [3]

(1) ـ هذه القولة مشهورة عنه، في كتب السيرة القديمة كالسير والمغازي لابن إسحاق، والسيرة النبوية لابن هشام، وهي جزء من كلام طويل، قاله عندما كان يتشاور مع مشركي قريش بشأن تشكيك الناس في كلام محمد صلى الله عليه وسلم.

(2) ـ عندما نزلت هذه الآية الأولى من سورة غافر (حم تنزيلُ الكتابِ من الله العزيز العليمِ غافرِ الذَّنْبِ وقابلِ التَّوبِ شديدِ العِقابِ ذي الطَّوْلِ لا إلهَ إلاَّ هُو إليه المصيرُ) اعترف الوليد لأصحابه بأن هذا الكلام ليس كلام جن ولا إنس، لمعرفته الدقيقة بأساليب الكهان والشعراء والسحرة والمصابين بالجنون، لكن كفره بنعم الله وإذايته للرسول صلى الله عليه وسلم جعلاه يدعو أصحابه لأن يصفوا القرآن بأنه كلام ساحر؛ لأنه فرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وأخيه. أنظر السيرة النبوية للدكتور محمد الصلابي 1/ 247 وما بعدها ـ بتصرف ـ

(3) ـ وهناك من كان سماعه للقرآن وكلام الحق سببا للهداية، كضماد الأزدي، رضي الله عنه، الذي تأثر بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما جاء ليعالجه ـ لاعتقاده أنه مجنون، بسبب الحملة الإعلامية التي كان يقودها مشركوالعرب لتشكيك الناس في دعوته، وتفاصيل القصة موجودة في صحيح مسلم، ومسند أحمد وسنن ابن ماجة وسنن النسائي، وهناك قصة إسلام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بعدما قرأ في بيت أخته فاطمة صدرًا من سورة طه ـ بعد كان في طريقه إلى قتل محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكن الله فتح قلبه عندما أعمل عقله ـ قال رضي اله عنه:"ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!"انظر تفصيل ذلك في تفسير القرطبي لمطلع سورة طه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت