فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 23

بمنهج علمي، من خلال العروض التي قُدِّمت أثناء إحدى الندوات الدولية، التي كان موضوعها حول التقليد والتجديد في التعامل مع القرآن الكريم [1]

وقد جاء في الكتيب الذي ضم تقديما للندوة وعروضا مختصرة للمشاركين، أن النص القرآني أصبح منذ القرن العشرين (20م) موضوعًا لثلاثة أنواع من القراءات:

1.القراءات التي تواصل العمل بالتقاليد الإسلامية للتفسير (التفسير بالمأثور، التفسير بالرأي، التفسير الصوفي، إلخ ... ) .

2.القراءات التي تُعَدُّ امتدادًا للتقليد الاستشراقي

3.القراءات التي أنتجها مسلمون مدركون لمأزق التفسير التقليدي والذين يحاولون إخضاع النص القرآني لأدوات ومناهج القراءة الحديثة، مع الاعتراف به كنصٍّ مؤسِّس لدين استطاع أن يتجاوز حدود الزمان والمكان والثقافات ...

وبعد تأكيد على مآزق التفاسير التراثية لكونها أنتجت تفسيرا ذا مشروعية مؤسساتية تحول مع مرور الزمان إلى عائق يحول دون نفاذ المسلمين المعاصرين على النّصِّ القرآني ...

وبعد الدعوة إلى ضرورة السعي للتمييز عند أصحاب القراءة الاستشراقية بين ما هو إيديولوجي غير مقبول، وبين ما هو علمي ..

بعد كل ذلك، دعت الكلمة التقديمية للندوة إلى النوع الثالث من القراءة، وهي القراءة التأويلية، التي ترى أن مفهوم المعنى يتم في ضوء مكتسبات نظرية التلقي الحديثة [2] ، وبذلك تكون المعاني متغيّرة ونسبية باستمرار [3] !

(1) ـ ندوة"من تفسير القرآن الكريم إلى القراءات الحديثة للظاهرة القرآنية"نظمتها مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، يومي 10 - 11/ 12 / 2004 بالدار البيضاء بالمغرب

(2) ـ نتساءل في هذا المقام: هل هذه النظرية الحديثة ستبقى دائما حديثة، ولو مرت عليها قرون، لتحل محل أصول التفسير وقواعده وضوابطه عند علمائنا المسلمين، الذين دعانا أدعياء التجديد إلى رميها وعدم الالتفات إليها لأنها ـ كما زعموا، وبئس ما زعموا ـ تحول بيننا وبين النفوذ إلى النص القرآني؟ أم أنها ستأتي نظريات أخرى لتتعامل مع النص القرآني بما تقتضيه طبيعة التدافع بين أصحاب الوحي الحكيم وأصحاب الرأي السقيم. وكلنا يذكر نظرية التطور التي ظهر بطلانها وفسادها علميًّا عند أصحابها ومازلنا ـ نحن المقلدين للغرب ـ متمسكين بها رغم تخلي علماء الغرب عنها!!

(3) ـ إن هذه الأحكام الجاهزة والمستوردة لا تستقيم. ومتى كانت كلمات القرآن كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه، والصلاة والصوم والحج والعدل والملائكة والجن والجنة والنار، إلخ ... هذه الكلمات متى كان مفهومها ـ وهي من المعلوم من الدين بالضرورة ـ متغيرا باستمرار وأنها نسبية! إنه تلاعب بالألفاظ، وتحايل سلولي جديد على النص القرآني للهروب من قطعياته اللفظية والمعنوية، وعدم التسليم بحاكميته وهدايته، والتمسك بالمتشابه، تقليدا لأسلافهم الذين قال فيهم الحق: (هو الذي أنزَلَ عليكَ الكتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ وأُخَرُ مُتشابهاتٌ فَأَمَّا الذين في قلوبهم زَيْغٌ فَيَتَّبِعون ما تشابَهَ مِنه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذَّكَّر إلا أولوا الالباب"وأولوا الالباب في الاصطلاح القرآني هم الذين وصفهم الله تعالى بقوله:(إنَّ في خَلْقِ السماوات والارضِ واختلافِ الليلِ والنّهار لآياتٍ لأولي الالباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جُنُوبهم ويَتَفَكَّرون في خَلْقِ السماوات والارضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سبحانك فقنا عذابَ النار) [سورة آل عمران، الآيتان: 190 ـ 191] حددت هاتان الآيتان صفات أولي الألباب فهم الذين جمعوا بين الذكر والفكر، وهما وسيلتان لتزكية الروح والعقل معا، لتكاملهما في المنهجية المعرفية، بشقيها العلمية والعملية، وباستحضار أن الدنيا دار فناء، وأن الآخرة دار بقاء."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت