الرّقاع [1] - وهو جبل فيه بقع حمر وسود وبيض قريب من النخيل بين السّعد والشّقرة [2] - فوجدهم قد هربوا لرؤوس الجبال [3] .
لم يكْتف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالخروج إلى المناطق الشرقية القريبة من المدينة، بل خرج بجيش المسلمين إلى دُومَة الجَنْدل - بينها وبين المدينة خمسة عشرة أو ستة عشرة ليلة -، حينما بلغه أنّ فيها جمعًا يظلمون الناس، ويريدون أن يدنوا من المدينة.
وكان خروج الرسول - صلى الله عليه وسلم - على رأس تسعة وأربعين شهرًا من مهاجره، في ألف من المسلمين، يسير الليل ويكمن النهار، ففاجأهم بعد أن تفرّق جمعهم فأصاب من أصاب، وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دُومَة الجندل فتفرّقوا، ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بساحتهم فلم يجد بها أحدًا، فأقام بها أيامًا وبثّ السرايا وفرّقها فرجعت ولم تصب أحدًا [4] .
والمهم في هذه الغزوة التأكيد على قوة المسلمين، باختراقها لأراضي غطفان، وأسد وطي وكلهم حلفاء، دون أن يتجاسر أحد على مهاجمة جيش المسلمين.
ولم يغفل - صلى الله عليه وسلم - عن الهدف العظيم الذي يسعى إليه، وهو هداية هذه القبائل، وترغيبها في الإسلام، فوادع زعيم غطفان عُيَينة بن حصن، وسمح له بالرعي
(1) وقيل سمّيت بذات الرّقاع، لأن بعض الصحابة كانوا يلفّون أقدامهم بالخرق. (البخاري مع الفتح 7/ 481(4128) كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرّقاع).
قال ابن هشام: وإنما قيل لها غزوة ذات الرّقاع، لأنّهم رقّعوا فيها راياتهم، ويقال ذات الرّقاع: شجرة بذلك الموضع، يقال لها ذات الرقاع. (السيرة 3/ 204) ، وقال ابن حبان: سمية بذلك بسب ألوان خيل المسلمين، كان بها سواد وبياض. (فتح الباري 7/ 483) .
(2) الواقدي 1/ 395؛ابن سعد 2/ 61.
(3) ابن هشام 3/ 204؛الواقدي 1/ 396؛ابن سعد 2/ 61.
لقد اختلف في تاريخ هذه الغزوة، فذهب البخاري: إلى أنها بعد غزوة الخندق بسبب صلاة الخوف، وبسبب مشاركة أبي موسى الأشعري، الذي لم يصل هو وأصحاب الحبشة إلا بعد معركة خيبر، بينما يذهب ابن هشام والواقدي وابن سعد إلى أنها قبل الخندق. (انظر بتوسع مناقشة ذلك عند مهدي رزق الله، السيرة النبوية الصحيحة 424) .
(4) ابن هشام 213؛ الواقدي 1/ 403؛ابن سعد 2/ 62