فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 46

فواضح مما تقدم أن للروح علاقة مع الحيز المكاني بطريقة لا تدركها العقول . أما القول بأنها منافية للعقول فقول مناف للحقيقة كما رأيت فلماذا لا يجوز أن يوجد بين الله والعالم المادي علاقة تشبه هذه العلاقة وأن تتم تلك العلاقة في تجسد الكلمة ؟

الاعتراض الرابع

ولرب معترض يقول أن التجسد يقيد الإله بحدود الزمن . ولما كان الزمن والحدوث يتضمن كل منهما الآخر فالتجسد يقيد الإله بالحدوث .

فالجواب على هذا الاعتراض شبيه بجوابنا على مشكلة الحيز .

أي أنه إن كان هنالك إشكال فهو كائن بطبيعة الحال في مسألة خلق العالم . فمجرد القول بأن الله خلق عالما محدودا وهو يديره بنظام محدود يجعل الله مقيدا بالحيز الزمني نوعا ما سواء كان في نظر المسلم أو المسيحي أو اليهودي . وإن أقوال الله وأفعاله وأفكاره إنما تتمثل لنا بصورة متلاحقات زمنية أي أنها أشبه بحلقات متصله بسلسلة الزمان فلها ماض وحاضر ومستقبل . والقرآن من أوله إلى آخره مملوء بذكر حوادث تقيد الله تعالى بالقيود الزمنية إذ يعزو إليه أمورا فعلها أو لا يزال يفعلها أو سيفعلها . ولما كان اللفظ بمثابة مرآة للمعنى وكلمات لله تعبر عن أفكاره فقد قيدنا فكر الله بالصيغ الزمانية . وإذا قيدنا الفكر فقد قيدنا المفكر نفسه . وإذا كان الزمان والحدوث يتضمن أحدهما الآخر فإن الله بتقييده نفسه بنظام زمني قد قيد نفسه بالحدوث .

ولسنا ننكر أن هذه الاستنتاجات لا تفضي بنا إلى كل الحق فإن الله منزه في الحقيقة عن الزمن . ولكن كلا المسلم والمسيحي عاجز عن إدراك هذه الحقيقة . ولهذا لا نرى للمسلم حقا بعزو هذه الشبهة إلى الديانة المسيحية مع أنها كائنة في الديانة الإسلامية أيضا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت