فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 46

ولهذا أنكرت الكرامية والحنبلية ومن كانت العامية أغلب عليه ذلك وجعلوا الإله جسما إذ لم يعقلوا موجودا إلا جسما مشارا إليه . ومن ترقى عن العامية قليلا نفى الجسمية وما أطاق أن ينفي عوارض الجسمية فأثبت الجهة . وقد ترقى عن هذه العامية اللاشعرية والمعتزلة فاثبتوا موجودا لا في جهة . (فقيل له) ولم لا يجوز كشف هذا السر مع هؤلاء؟ فقال لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفات لغير الله تعالى . فإذا ذكرت هذا لبعضهم كفروك وقالوا أنك تصف نفسك بما هو صفة الإله على الخصوص فكأنك تدعي الإلهية لنفسك . (فقيل له) فلم أحالوا أن تكون هذه الصفة لله ولغير الله تعالى أيضا ؟ فقال لأنهم قالوا كما يستحيل في ذرات المكان أن يجتمع اثنان في مكان واحد يستحيل أيضا أن يجتمع اثنان لا في مكان . لأنه إنما استحال اجتماع جسمين في مكان واحد لأنه لو اجتمعا لم يتميز أحدهما عن الآخر . فكذلك لو وجد اثنان كل واحد منهما ليس في مكان فبم يحصل التمييز والعرفان ؟ ولهذا أيضا قالوا لا يجتمع سوادان في محل واحد حتى قيل المثلان يتضادان . (فقيل) هذا إشكال قوي فما جوابه ؟ قال جوابه أنهم أخطأوا حيث ظنوا أن التمييز لا يحصل إلا بالمكان . بل يحصل التمييز بثلاثة أمور .

أحدها: بالمكان كجسمين في مكانين . والثاني بالزمان كسوادين في جوهر واحد في زمانين . والثالث بالحد والحقيقة كالأعراض المختلفة في محل واحد مثل اللون والطعم والبرودة والرطوبة في جسم واحد فإن المحل لها واحد والزمان واحد ولكن هذه معان مختلفة الذوات بحدودها وحقائقها فيتميز اللون عن الطعم بذاته لا بمكان وزمان . ويتميز العلم عن القدرة والإرادة بذاته وإن كان الجميع شيئا واحدا . فإذا تصور أعراضا مختلفة الحقائق فبأن يتصور أشياء مختلفة الحقائق بذواتها في غير مكان أولى" (انتهى) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت