(2) إذا كان لله غاية في خلقه العالم فهي إظهار مجده تعالى ـ وليس المقصود من"مجده"قوته لأن إظهار القوة في حد ذاتها أمر عقيم . وأما إظهار قوة المحبة فبخلاف ذلك . ولو اقتصر الله على خلق النظام الشمسي فقط أو خلق المملكة المعدنية أو النباتية لكانت الخليقة غير تامة . ولماذا ؟ لأن تلك الخلائق لا يمكنها أن تدرك وجود الله أو أن تحبه أو تمجده أو تسعى لتتمثل به . ولهذا لم تقف الخليقة عند حد الحيوانات السفلى بل تعدتها إلى الإنسان الذي هي خاضعة له وهو تاجها وفيه يستيقظ الخلق كما يستيقظ العقل من حلم مبهم . وأن لله في الإنسان مخلوقا يخاطبه ويسمعه ـ مخلوقا يشبهه .
إننا نعلم أن هذا الشبه مكروه عند المسلم لأنه يناقض عقيدة الوحدانية التي يتمسك بها . ولكن إنكار ذلك يستلزم طبعا إنكار إمكان التخاطب والمحبة بين الله والإنسان لأن المخاطبة كما رأينا تستلزم وجود شبه روحي بين المتخاطبين والمحبة تقتضي ذلك الشبه طبيعيا . لذلك قال الكتاب المقدس أن الله"خلق الإنسان على صورته" (تكوين) . وقال أيضا"... لبستم (الإنسان) الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كولوسي 3:10) .
إن عبارة التكوين قد وردت في حديث يعلمه جميع علماء الإسلام ولعله قد حيرهم . ومن أراد أن يعلم شدة رغبتهم في تأويله تأويلا ينطبق على فلسفتهم فعليه بمراجعة مشكاة الأنوار للعلامة الغزالي (وجه 34) ويؤخذ من وجود هذا الحديث عند المسلمين أنهم هم أنفسهم يريدون أن يوجدوا صلة بين الله والإنسان إلا أن رغبتهم هذه لا يمكن أن تتم إلا في الديانة المسيحية .
(3) إن عقيدة الثالوث تدلنا على أنه ليس فيها ذكر شئ جديد فإن الله رأى في كلمته"رسم جوهره"أو صورة أقنومه منذ الأزل (عبرانيين 1:3) . فإبداعه عالما يكون أرقى كائناته شبيها به تعالى لا يعد شيئا غريبا بل هو ينطبق على جوهر الله وذاته .