على أن هذه مباحث فلسفية بعيدة عن غرضنا الآن ولعلنا نجد الاختلافات المشار إليها شديدة التعقيد لا تستحق العناء الكبير . ومع هذا فإن هذه المناقشات قد جرت في سبيلها سيول الدماء ويطول بنا شرح أسباب تلك الشدة وسبب ذكرنا لهذه الأمور إنما هو أن نبين أن الله الذي هو أسمى الحقائق ليس جنسا يشتمل على أنواع على الإطلاق مهما كان المعنى الذي نؤول به"الجنس"بحسب آراء الفلاسفة المذكورين الذين أشرنا إليهم , إلا إذا استثنينا افلاطون وليس عنده ما يعضد أراءه الغريبة التي هي خيالية أكثر منه فلسفية فلما كان الله لا مجرد اسم أو فكر ولا جوهرا معنويا بل هو أسمى الحقائق الحية لا يمكن أن يكون الإله"جنسا"وبالنتيجة لا يمكن أن تكون أقانيم الثالوث الأقدس"أفرادا" (أي آلهة) لجنس عام (أي الله) وهكذا تكون تهمة تثليث الاله ساقطة .
(2) أما الأمر الثاني الذي يظهر لنا فساد الاعتراض فهو أن الجنس (كالإنسان مثلا) مهما بلغت حقيقته من الكمال لا يتأثر أبدا من هلاك فرد من أفراد نوعه الذين يتألف منهم . وبعبارة أخرى إننا يمكننا ملاشاة توما وحسين وحنا وعمروا وزيد وعبيد ومع ذلك يظل الجنس كما كان بدون أقل ضرر يمكن إلحاقه به . وهذا يثبت لنا أن الجنس ليس في الحقيقة وحدة حقيقية حية مرتبطة بوجود أعضائها ولكن هذا ما نراه بكل احترام في وحدة الله الذي هو أسمى كائن حي . فهو واحد في أقانيمه الثلاثة ولا يمكن لأي أقنوم منهم أن يكون منفصلا لأن كلا منهم إنما يوجد متحدا ومرتبطا وكائنا بالآخر . فالآب إذا هو ذات الله الواحد . والابن هو ذات الله الواحد . والروح القدس هو ذات الله الواحد . وبعبارة أخرى أنهم ليسوا ثلاثة آلهة بل هم إله واحد له المجد إلى أبد الآبدين آمين .
الاعتراض الخامس والرد عليه