وسيكون ذلك في أمرين:
... أولًا: العفو عن العقوبة في الحدود .
... ثانيًا: العفو عن العقوبة في التعازير .
وتفصيلهما فيما يلي:
أولًا: العفو عن العقوبة في الحدود:
لقد جاءت الشريعة الغراء بحفظ مصالح العباد وحمايتها, سواء كانت هذه المصالح عامة أو خاصة , فحثت على رعايتها , ورتبت العقوبات لكل من تسول له نفسه التجني عليها أو الاستهانة بها , غير أن هذه المصالح منها ما هو مصلحة فردية , ومنها ما هو مصلحة جماعية لكل الأمة , وهذا ما يعبِّر عنه الفقهاء بالتفرقة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين , حيث إن الحقوق التي جاءت النصوص الشرعية بمراعاتها تنقسم إلى ما هو حق لله تعالى خالص أو حقه فيه الغالب , وإلى ما هو حق للعبد خالص أو حقه فيه الغالب [1] .
ومما يترتب على هذا التقسيم: أن الأصل فيما كان من حق الله تعالى الخالص أو حقه فيه الغالب لا يجوز إسقاطه ، ولا يصح العفو فيه , ولا تحل الشفاعة فيه , بل يجب فعله وتنفيذه ، كالطهارات والصلوات والكفارات وعقوبات الحدود . وأن الأصل فيما كان من حق العبد أو حقه فيه الغالب فله إسقاطه والعفو فيه , كالقصاص, والديات [2] .
وعلى هذا فإن عقوبات الحدود حق لله تعالى , فإذا ثبتت لدى الحاكم فلا يجوز له إسقاطها ولا العفو فيها ولا تقبل الشفاعة فيها, وقد اتفق أهل العلم على هذا المعنى في كل الحدود [3] عدا حد القذف الذي اختلفوا فيه بسبب اختلافهم حول مَرَدِّ الحق فيه , أهو لله تعالى أم للعبد ? فقد اختلف الفقهاء في الحق الغالب الذي تمسه جريمة القذف إلى ثلاثة أقوال ، بعد اتفاقهم على مساسها بحق الله وحق العبد معًا.
1 -... فذهب الشافعية [4] ، والحنابلة [5] على المذهب، والمالكية في قول [6] و الحنفية في قول [7] ، إلى أن جانب الاعتداء على حق العبد هو الغالب والقوي .
وحجتهم في ذلك أنها جناية على عِرض المقذوف بإلحاق العار به، والعقوبة فرضت حماية لعرض الإنسان وهو حق متقرر له، فلا يستوفى إلا بمطالبته، كما أنه يورَث بموت المقذوف، مثله في ذلك مثل الجرائم الماسة بحق الآدمي كالقصاص.
2 -... وذهب أكثر الحنفية [8] وفي قول عند الحنابلة [9] وعند
(1) يقسِّم بعض أهل العلم الحقوق إلى قسمين: حق الله تعالى وحق العبد ( انظر أعلام الموقعين لابن القيم 1/108) وزاد بعضهم ثالثًا ، وهو ما كان حق الله فيه غالبًا، ( انظر الموافقات للشاطبي 2/318 ، الفروق 1/140 -142 ) كما زاد آخرون رابعًا ، هو ما كان حق العبد فيه هو الغالب ، ( انظر أصول البزدوي 4/134) .
(2) ... الموافقات للشاطبي 2/375- 378، أعلام الموقعين 1/108.
(3) وقد حكى الموفق ابن قدامة في المغني الإجماع على عدم جواز الشفاعة في الحد إذا بلغ الإمام 8/282، ومثله الأبِّيُّ في شرحه على صحيح مسلم 4/443، وانظر في المسألة الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص266، الدر المختار شرح تنوير الأبصار مع حاشية ابن عابدين 4/4، فتح القدير 5/211، بدائع الصنائع 7/55، الفروق للقرافي 4/179، تهذيب الفروق 4/205، منح الجليل 4/515، حاشية العدوي على الخرشي 8/91، تنوير المقالة للتتائي مخطوط 227 ب ، مغني المحتاج 4/194، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج 9/181.
(4) المهذب 2/351-352، روضة الطالبين 8/325، تحفة المحتاج 9/120.
(5) المغني8/217، الفروع 6/93، الإنصاف 10/200.
(6) بداية المجتهد 2/438، الإشراف على مسائل الخلاف 2/226، تنوير المقالة للتتائي مخطوط 2/227/ب.
(7) فتح القدير 5/327، تبيين الحقائق 3/203-204، بدائع الصنائع 7/56.
(8) بدائع الصنائع 7/56، فتح القدير 5/327، تبيين الحقائق 3/203-204،معين الحكام ص 189.
(9) المغني 8/217، الفروع 6/93، الإنصاف 10/201.