أدلّة أصحاب القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بجملة أدلّة منها:
الدليل الأول: أن عقد التأمين عقد معاوضة وهو مع ذلك مشتمل على غرر , والغرر يفسد عقود المعاوضات.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر [1] . والنهي يقتضي الفساد.
والغرر هو ما تردد بين الحصول والفوات أو ما طُوِيت معرفته و جُهلت عينه [2] .
فكل عقد بني على أمر محتمل مشكوك فيه فهو غرر.
والغرر المؤثر هو ما كان في عقود المعاوضات المالية. وكان غالبًا على العقد حتى يصح وصف العقد كله بأنه غرر.
ولا شك أنَّ عقد التأمين مشتمل على الغرر في أكثر من موضع منه:
فالجهالة حاصلة في صفة محل التعاقد فالعوض لا يُعْرف مقداره حتى يقع الخطر المؤمن عليه.
كما أنها حاصلة في أجل العوض الذي لا يعرف متى يحل.
كما أن حصول العوض نفسه مجهول مشكوك فيه فلا يعرف المتعاقدان ذلك لتوقفه على وقوع الخطر أو عدم وقوعه.
فالغرر في الحصول وصفته وأجله وهي أمور مقصودة عند التعاقد وهذا يفسد العقد.
وقد نوقش هذا الدليل بأمرين الأوَّل: أنه لا يوجد غرر في عقد التأمين لأن غايته حصول الأمان وقد حصل بمجرد العقد سواء وقع الخطر أو لا والثاني أنّه على فرض حصوله فهو غرر يسير لا يؤثر في العقد [3] .
والجواب أن النظر الشرعي في عقود المعاوضات إنما يكون لمحلها لا إلى غاياتها فإن الغاية أمر غير منضبط ولكلٍّ أن يجعل غاية عقده بما يراه فيصح لنا أن نقول إن غايته عقد التأمين أكل المال بالباطل. ويمكن لمن يبيح الفوائد الربويّة أن يتذرع بأن غايتها تحريك المال وتنميته واستثماره. وعليه فلا تعلق توصيف الأحكام بالمقاصد والحكم منها دون النظر لمحلها. ومحل عقد التأمين هو قسط التأمين وعوضه وهذا العِوَض مجهول الحصول والمقدار والأجل.
(1) صحيح مسلم 1513.
(2) زاد المعاد (5/ 822) .
(3) نظام التأمين 165.