طلبهم خلاف المعلوم تكذيبا لما خبر فمن ثم سفههم موسى عليه السلام وتبرأ من طلب ما أخبر الله أنه لايقع ولو كان سؤالهم الرؤية قبل إخبار الله تعالى بعدم وقوعها فإنما سفههم موسى عليه السلام لاقتراحهم على الله هذه الآية خاصة وتوقيفهم الإيمان عليها حيث قالوا _ { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } (1) ألا ترى أن قولهم { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا} إنما سألوا فيه جائزا ومع ذلك قُرعوا به لاقتراحهم على الله مالايتوقف وجوب الإيمان عليه فهذه المباحث الثلاثة توضح لك سوء نظر الزمخشري بعين الهوى وعمايته عن سبيل الهدى والله الموفق انتهى كلامه .
قال: أبو السعود في تفسيره (2) وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا { أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً } خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل ذلك حين قالوا { اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } وكما قال لأخيه { وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } انتهى كلامه .
وفي التفسير الكبير للفخر الرازي (3) .. وأما التأويل بأنه عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لا لنفسه فهو أيضا فاسد ويدل عليه وجوه .
الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك ولقال الله تعالى لن يروني فلما لم يكن كذلك بطل هذا التأويل .
والثاني: أنه لو كان هذا السؤال طلبا لمحال لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا: { اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } . منعهم عنه بقوله { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } .
1_ البقرة / 45 .
2_ تفسير أبي السعود 2 / 400 تحقيق عبد القادر عطا / 3_ 3 / 230
طبع البهية المصرية 1317 .
والثالث: أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل على أنه تعالى لاتجوز رؤيته وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال فأما أن لايذكر شيئا من تلك الدلائل البتة مع أن ذكرها كان فرضا مضيقا كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام وأنه لايجوز .