الصفحة 23 من 36

فإذا تبين لك ذلك فاعلم أن الزمخشري ذكر في كشافه (2) أنه ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالا وتبرأ من فعلهم وليلقمهم الحجر وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم بالخطأ ونبههم على الحق فلجوا _ وتمادوا في لجاجهم وقالوا لابد و { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } فأرادوا أن يسمعوا النص من عند الله باستحالة ذلك وهو قوله _ { لَن تَرَانِي } ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة فلذلك قال: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } اهـ .

1_ الأعراف / 143 .

2_ تفسيره الكشاف 2 / 113 مع الإنصاف .

قلت وباالله التوفيق إن قول الزمخشري هذا مخالف للظاهر من كل وجه وقرينة

المقال تدل على أن السؤال كان مقصورا على كليم الله من كل وجه إذ قال { وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } ولم يقل انظروا ... الخ بصيغة الجماعة .

ثانيا: إنه لايجوز لنبي الله أن يسأل ربه محالا إذ لو جاز ذلك لكان عبثا وهو غير لائق بالأنبياء .

ثالثا: إنه لما قال له قومه _ { اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } (1) لم يلزمهم بالسؤال عن الله عزوجل بل أجابهم في الحال { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } . إذ كان تحقيق طلبهم ممتنعا شرعا فكذلك رؤية الله تعالى لو كانت مستحيلة لأجابهم كما فعل في تلك . قال في الانصاف (2) فالحق أن موسى عليه السلام إنما طلب الرؤية لنفسه لعلمه بجواز ذلك والقدرية يجبرهم الطمع ويجرؤهم حتى يروموا أن يجعلوا موسى عليه السلام كان على معتقدهم وما هم حينئذ إلا ممن آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها وأما قوله عليه السلام: { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا } تبريا من أفاعيلهم وتسفيها لهم وتضليلا برأيهم فلا راحة للقدرية في الاستشهاد به على إنكار موسى عليه السلام لجواز الرؤية فإن الذي كان الإهلاك بسببه إنما هو عبادة العجل في قول أكثر المفسرين ثم وإن كان السبب طلبهم للرؤية فليس لأنها غير جائزة على الله ولكن لأن الله تعالى أخبر أنها لاتقع في دار الدنيا والخبر صدق وذلك بعد سؤال موسى للرؤية فلما سألوه وقد سمعوا الخبر بعدم وقوعها كان

1_ الأعراف / 137 .

2_ الانصاف على الكشاف لأحمد بن المنير الاسكندري 2/ 113 مع تفسير الكشاف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت