{ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } أي أرني ذاتك بأن تمكنني من رؤيتك أو تتجلى لي فأنظر إليك وأراك _ هو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء لاسيما ما يقتضي الجهل بشؤون الله تعالى مستحيل ولذلك رده بقوله { لَن تَرَانِي } دون أن أرى ولن أريك ولن تنظر إلي تنبيها على أنه قاصر عن رؤيته اهـ .
قلت وقد استدل شارح الطحاوية (2) بهذه الآية الكريمة على إثبات رؤية الله عزوجل من سبعة وجوه وهذا نصها .
أحدها: أنه لايظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته _ أن يسأل مالا يجوز عليه بل هو عندهم من أعظم المحال .
الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: { إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (3) .
الثالث: أنه تعالى قال: { لَن تَرَانِي } ولم يقل إني لا أرى أو لاتجوز رؤيتي أو لست بمرئي والفرق بين الجوابين ظاهر . ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما فقال: اطعمنيه فالجواب الصحيح أنه لا يؤكل أما إذا كان طعامه صح أن يقال إنك لن تأكله وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي ولكن موسى لا تتحمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى يوضحه الوجه الرابع:
1_ تفسير أبي السعود 2 / 400 طبع السعادة تحقيق عبد .
2_ شرح الطحاوية 306 / 307 .
3_ هود 46 .
وهو قوله: { وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } (1) فاعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لايثبت للتجلي في هذه الدار فكيف بالبشر الذين خلقوا من ضعف .
الخامس: أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا وذلك ممكن وقد علق به الرؤية ولو كانت محالا لكان نظير أن يقول ان استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام والكل عندهم سواء .
السادس: قوله تعالى: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } . فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته ولكن الله أعلم موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر أضعف .
السابع: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز ولهذا لايتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه وقد جمعوا بينهما )) .