والرابع: أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام أو لم يؤمنوا بها فإن كان الأول كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل مجرد قول موسى عليه السلام فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه السلام وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له لانسلم أن الله منع الرؤية بل هذا قول افتريته على الله تعالى فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة لهم في قول موسى عليه السلام: { أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } انتهى كلامه .
ثم أعلم مرة أخرى أن االزمخشري قال في كشافه (1) ما نصه:
(( فإن قلت كيف اتصل الاستدراك في قوله: { وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } . بما قبله . قلت اتصل به على معنى أن النظر إلي محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم إلى أن قال هذا المعتزلي ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة(2) فإنه من منصوبات أشياخهم والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
لجماعة سموا هواهم سنة قد شبهوه بخلقه وتخوفوا .…
وجماعة حمر لعمري موكفه شنع الورى فتستروا بالبلكفة .
2_ يعني قولهم بلا كيفية .
أقول وبالله التوفيق إن قول الزمخشري (( فإن قلت كيف اتصل الإدراك الخ هذا من حيله وحيل أتباعه من المعتزلة القائلين بأن قوله عزوجل { فَسَوْفَ تَرَانِي } تعليق لوجود الرؤية بوجود مالايكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا ويسويه بالأرض كما ذكره في كشافه(1) )).
والمعنى أنه سبحانه وتعالى علق الرؤية على شرط محال وهو استقرار الجبل وهذا تأويل فاسد ورأي باطل لأن المعلق عليه استقرار الجبل وذلك جائز وممكن كما سبق بيانه موضحا (2) .
قال أحمد الإسكندري (3) (( استقرار الجبل ممكن وقد علق عليه وقوع الرؤية والمعلق على الممكن ممكن والمعتزلة يعتقدون أن خلاف المعلوم لايجوز أن يكون مقدورا ونحن نقول مقدور ولكن ما تعلقت المشيئة بإيجاده وقولنا أقعد بالأدلة وأسعد بالإجلال في الخطاب أ هـ .