فإن قالوا: قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } يوجب أنه لايدرك بها في الدنيا ولا في الآخرة وليس ينفي ذلك أن نراه بقلوبنا ونبصره ، ولاندركه بها .
قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون لاندركه بأبصار العيون ولايوجب إذا لم ندركه بهما ألا نراه بها فرؤيتنا له بالعيون وإبصارنا له بها ليس بإدراك له بها كما أن إبصارنا له بالقلوب ورؤيتنا له بها ليس بإدراك ، فإن قالوا: رؤية البصر هي إدراك البصر قيل لهم ماالفرق بينكم وبين من قال أن رؤية القلب وإبصاره هو إدراكه وإحاطته فإذا كان علم القلب بالله عزوجل وإبصار القلب له ورؤيته إياه ليس بإحاطة ولا إدراك ، فلم أنكرتم أن تكون رؤية العيون وإبصارها لله عزوجل ليس بإحاطة ولا إدراك (1) .
ومن أجوبة أبي الحسن الأشعري أيضا قوله: (( ويقال لهم إذا كان قول الله عزوجل: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } كقوله: { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر فخبرونا أليس الأبصار والعيون لاتدركه رؤية ولا لمسًا ولا ذوقًا ولا على وجه من الوجوه فإن قالوا نعم فيقال لهم أخبرونا عن قوله عزوجل: { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } أتزعمون أنه يدركها لمسًا وذوقًا بأن يلمسها فإن قالوا: لا فيقال لهم فقد انتقض قولكم أن قوله وهو يدرك
1_ الابانة عن أصول الديانة / 18
الأبصار في العموم كقوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } (1) .
ومن أجوبته أيضا قوله (( فإن قال قائل منهم إن البصر في الحقيقة هو بصر العين لا بصر القلب قيل له زعمت هذا وقد سمى أهل اللغة بصر القلب بصرًا كما سموا بصرالعين بصرًا وإن جاز لك ما قلته جاز لغيركم أن يزعم أن البصر في الحقيقة هو بصر القلب دون العين وإذا لم يجز هذا فقد وجب أن البصر بصر العين وبصر القلب(2) )).
وقال أبو الحسن أيضا (( حدثونا عن قول الله عزوجل: { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } ما معناه فإن قالوا: معنى يدرك الأبصار أنه يعلمها قيل لهم وإذا كان أحد الكلامين معطوفا على الآخر وكان قوله عزوجل: { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } معناه يعلمها فقد وجب أن يكون قوله { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } لاتعلمه وهذا نفي للعلم لا لرؤية الأبصار(3) )).