قوله سبحانه: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } قالوا فلما عطف الله عزوجل بقوله وهو يدرك الأبصار وكان قوله وهو يدرك الأبصار على العموم أنه يدركها في الدنيا والآخرة كان قوله لاتدركه الأبصار دليلا على أنها لاتراه الأبصار في الدنيا والآخرة كعموم قوله لا تدركه الأبصار لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر (1) .
وقد أجاب أبو الحسن الأشعري على هذا الإستدلال الواهي بجواب يحسن ذكره في هذا البحث وذلك لزيادة الفائدة .
وإلا فالكتاب والسنة مملوءان بالآيات والأحاديث على إثبات الرؤية مما يلزم المخالف ويقمع شبهه .
قال أبو الحسن: (( يجب إذا كان عموم القولين واحدا وكانت الأبصار أبصار العيون وأبصار القلوب لأن الله عزوجل قال: { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } وقال: { أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } .
فأراد أبصار القلوب التي يقصد بها المؤمنين والكافرين ، ويقول أهل اللغة فلان بصير بصناعته يريدون بصير العلم ويقولون قد أبصرته بقلبي كما يقولون قد أبصرته بعيني فإذا كان البصر بصر العيون وبصر القلوب ثم أوجبوا علينا أن يكون قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } في العموم كقوله: { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر وجب عليهم بحجتهم أن الله عزوجل لا يدرك بأبصار العيون ولا بأبصار القلوب لأن قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } في العموم كقوله: { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } .
قال أبو الحسن رحمه الله (( وإذا لم يكن عندهم فقد وجب أن يكون قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } أخص من قوله: { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } وانتقض احتجاجهم وقيل لهم إنكم زعمتم أنه لو كان قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } خاصا في وقت دون وقت كان قوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }
1_ أبو الحسن الأشعري الابانة / 18
وقوله: { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } وقوله: { لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا } في وقت دون وقت ، فإن جعلتم قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } خاصا لو لم يجب خصوص هذه الآيات فلم أنكرتم أن يكون قوله عزوجل: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } أراد بعض الأبصار دون بعض ولا يوجب ذلك تخصيص هذه الآيات التي عارضتمونا بها .