وقد حققت توجيهات الصديق عدة أمور منها توحيد جيش المسلمين في الشام، وتوحيد قيادة هذا الجيش بأمرة خالد، وتحديد موقع اللقاء وهذا يؤكد وضوح الرؤية عند الخليفة أبي بكر في تحريك الجيوش، فكان عندما ارسلها من المدينة خرجت في طرق متباعدة نسبيًا فكانت على شكل رؤوس حراب أو على شكل مروحة وهو عبارة مايعرف بحركة الانتشار في الجيوش الحديثة، وعندما حان وقت الاشتباك واللقاء الفاصل جمعها مع بعضها في موقع اختاره لها، فقد ظهرت قدرته البارعة في استعمال الجيوش وهو مااتفق على تسميته (بالاستراتيجية) في العلم العسكري الحديث [1] ، وكان الصديق كقائد عام للجيوش الإسلامية يحرص على حضوره المعنوي في ميدان القتال، بالأوامر، مع ماكانت تتميز به تلك الأوامر من تبصر وبعد نظر ونفاذ في البصيرة، وبداهة في فهم الوضع العسكري على أرض المعركة، وبالتالي سرعته في تحريك القوى وفقًا لهذا الوضع وبما يلائمه تمام الملاءمة، وحسن اختياره للقادة الذين كانوا، بفعل الثقة المتبادلة بينه وبينهم، يقرأون أفكاره ويحسون برغباته ونواياه، فتتجسد في مخيلتهم فكرة المناورة التي يعتزم تنفيذها، ويقومون بتنفيذها كما لو كان الخليفة ينفذها، وبواسطة هذه الوسائل، كان الخليفة يدير المعارك على الجبهات المختلفة كأنما هو حاضر في كل منها، بحيث يحس الجيش، قادة وجنودًا، كأن الخليفة نفسه معهم يقودهم ويوجههم، فيأتي عملهم مطابقًا تمام المطابقة لما يريد ويرغب، ووفقًا لأوامره وتوجيهاته [2] .
(1) الفن العسكري الاسلامي، ص89؛ ابوبكر الصديق، الحديثي، ص60.
(2) الفن العسكري الاسلامي، ص98.