إن أبابكر كان أنفذ بصيرة من جميع من حوله لأنه فهم بإيمانه الذي فاق إيمانهم جميعًا، أن الزكاة لا تنفصل عن الشهادتين؛ فمن أقر لله بالوحدانية لابد أن يقر له بما يفرض من حق في ماله الذي هو مال الله أصلًا (وأن لا إله إلا الله بغير زكاة لا وزن لها في حياة الشعوب، وأن السيف يشرع دفاعًا عن أدائها تمامًا كما يشرع دفاعًا عن لا إله إلا الله، تمامًا هذه كتلك. هذا هو الاسلام وغير هذا ليس من الاسلام [1] ، فقد توعد الله اولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (سورة البقرة، الآية: 85) .
كان موقف أبي بكر رضي لله عنه الذي لاهوادة فيه ولا مساومة فيه ولا تنازل، موفقًا ملهمًا من الله، يرجع إليه الفضل الأكبر -بعد الله تعالى- في سلامة هذا الدين وبقائه على نقائه وصفائه وأصالته، وقد أقر الجميع وشهد التاريخ بأن أبابكر قد وقف في مواجهة الردة الطاغية، ومحاولة نقض عرى الاسلام عروة عروة، موقف الأنبياء والرسل في عصورهم، وهذه خلافة النبوة التي أدى أبوبكر حقها واستحق بها ثناء المسلمين ودعاءهم الى أن يرث الله الأرض وأهلها [2] .
خامسًا: خطة الصديق لحماية المدينة:
انصرفت وفود القبائل المانعة للزكاة من المدينة بعدما رأت عزم الصديق وحزمه وقد خرجت بأمرين:
أ- أن قضية منع الزكاة لاتقبل المفاوضة وأن حكم الإسلام فيها واضح ولذلك لاأمل في تنازل خليفة المسلمين عن عزمه ورأيه وخاصة بعدما أيده المسلمون وثبتوا على رأيه بعد وضوح الرؤية وظهور الدليل.
(1) حياة أبي بكر، محمود شلبي، ص123.
(2) المرتضى للندوي، ص72.