فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 582

وفعلًا كان رأي أبوبكر في حرب المرتدين رأيًا ملهمًا، وهو الرأي الذي تمليه طبيعة الموقف لمصلحة الاسلام والمسلمين، وأي موقف غيره سيكون فيه الفشل والضياع والهزيمة والرجوع الى الجاهلية، ولولا الله ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ وتحولت مسيرته، ورجعت عقارب الساعة الى الوراء، ولعادت الجاهلية تعيث في الأرض فسادًا [1] .

لقد تجلى فهمه الدقيق للاسلام، وشدة غيرته على هذا الدين، وبقائه على ماكان عليه في عهد نبيه في الكلمة التي فاضى بها لسانه ونطق بها جنانه، وهي الكلمة التي تساوي خطبة بليغة طويلة وكتابًا حافلًا، وهي قوله عندما امتنع كثير من قبائل العرب أن يدفعوا الزكاة الى بيت المال، أو منعوها مطلقًا وأنكروا فرضيتها: قد انقطع الوحي وتم الدين، أينقص وأنا حي [2] وفي رواية قال عمر: فقلت ياخليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم، فقال لي: أجبّار في الجاهلية خوَّار في الاسلام، قد انقطع الوحي، وتم الدين أينقص وأنا حي [3] .

لقد سمع أبوبكر وجهات نظر الصحابة في حرب المرتدين وماعزم على خوض الحرب إلا بعد أن سمع وجهات النظر بوضوح، إلا أنه كان سريع القرار حاسم الرأي فلم يتردد لحظة واحدة بعد ظهور الصواب له وعدم التردد كان سمة بارزة من سمات أبي بكر -هذا الخليفة العظيم- في حياته كلها [4] ، ولقد اقتنع المسلمون بصحة رأيه ورجعوا الى قوله واستصوبوه.

لقد كان أبوبكر رضي لله عنه أبعد الصحابة نظرًا، وأحقهم فهمًا، وأربطهم جنانًا في هذه الطامة العظيمة [5] ، والمفاجئة المذهلة، ومن هنا أتى قول سعيد بن المسيب رحمه الله: وكان أفقهم، يعني الصحابة، وأمثلهم رأيًا [6] .

(1) الشورى بين الأصالة والمعاصرة، ص86.

(2) المرتضى لأبي الحسن الندوي، ص70.

(3) مشكاة المصابيح، كتاب المناقب رقم 6034.

(4) الشورى بين الأصالة والمعاصرة، ص87.

(5) حركة الردة، ص165.

(6) البدر والتاريخ للمقدسي (5/153) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت