فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 582

بدأت هذه الردة منذ العام التاسع للهجرة المسمى بعام الوفود. وهو العام الذي أسلمت فيه الجزيرة العربية قيادها للرسول صلى الله عليه وسلم ممثلة بزعمائها الذين قدما عليه من أصقاعها المختلفة، وكانت حركة الردة في هذه الأثناء لما تستَعلِن، بشكل واسع حتى إذا كان أواخر العام العاشر الهجري، وهو عام حجة الوداع التي حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل به وجعه الذي مات فيه وتسامع بذلك الناس، بدأ الجمر يتململ من تحت الرماد، وأخذت الأفاعي تطل برؤوسها من جحورها، وتجرأ الذين في قلوبهم مرض على الخروج، فوثب الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، وطليحة الاسدي في بلاد قومه [1] . ولما كان أخطر متمردين على الاسلام، وهما الأسود العنسي ومسيلمة وأنهما مصممان - كما يبدو- على المضي في طريق ردتهما قدمًا دون أن يفكرا في الرجوع، وأنهما مشايعان بقوى غفيرة وإمكانيات وفيرة، فقد أرى الله نبيه صلى الله عليه وسلم من أمرهما ماتقر به عينه، ومن ثم ماتقر به عيون أمته من بعده. فقد قال يومًا وهو يخطب على منبره: أيها الناس، إني قد رأيت ليلة القدر، ثم أُنستها، ورأيت في ذراعي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين: صاحب اليمن، وصاحب اليمامة [2] .

وقد فسر أهل العلم بالتعبير هذه الرؤيا على هذه الصورة فقالوا: إن نفخه صلى الله عليه وسلم، لهما يدل على أنهما يقتلان بريحه، لأنه لايغزوهما بنفسه، وإن وصفه لهما بأنهما من ذهب دلالة على كذبهما لأن شأنهما زخرف وتمويه، كما دل لفظ السوارين على أنهما ملكان لأن الأساورة هم الملوك، ودلاّ بكونهما يحيطان باليدين أن أمرهما يشتد على المسلمين فترة، لكون السوار مضيقًا على الذراع [3] .

(1) حركة الردة، ص65.

(2) البخاري رقم 3621؛ مسلم رقم 2273.

(3) حركة الردة، ص66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت