وفي قصة إنفاذ أبي بكر الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما نجد أن الصديق رضي لله عنه بين بقوله وعمله أن مسيرة الدعوة لم ولن تتوقف، حتى بموت سيد الخلق، وإمام الأنبياء وقائد المرسلين صلى الله عليه وسلم وأثبت مواصلة العمل الدعوي بالمبادرة إلى تنفيذ هذا الجيش حيث نادى مناديه في اليوم الثالث من وفاة رسول الله بخروج جند أسامة رضي لله عنه إلى عسكره بالجرف. وقد كان الصديق رضي لله عنه قبل ذلك قد بين في خطبته التي ألقاها إثر بيعته عن عزمه على مواصلة بذل الجهود لخدمة هذا الدين [1] ، وقد جاء في رواية قوله: فاتقوا الله أيها الناس! واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم فإن دين الله قائم، وإنَّ كلمة الله تامة، وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه. والله! لانبالي من أجلب علينا من خلق الله. إن سيوف الله لمسلولة، ماوضعناها بعد، ولنجاهدنّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلايبغينّ أحد إلا على نفسه [2] .
ومن الدروس المستفادة من قصة إنفاذ الصديق جيش أسامة رضي الله عنهما أنه يجب على المسلمين اتباع أمر النبي صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء، فقد بين الصديق من فعله أنه عاض على أوامر النبي صلى الله عليه وسلم بالنواجذ ومنفِّذها مهما كثرت المخاوف وشدّت المخاطر، وقد تجلّى هذا أثناء هذه القصة عدة مرات منها:
أ-لما طلب المسلمون إيقاف جيش أسامة رضي لله عنه نظرًا لتغير الأحوال وتدهورها أجاب رضي لله عنه بمقولته الخالدة: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبقى في القرى غيري لانفذته [3] .
(1) قصة بعث أبي بكر جيش أسامة، ص27.
(2) البداية والنهاية (5/213،214) .
(3) تاريخ الطبري (4/45) .